SBC: واشنطن
– حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإغلاق الحكومي الحالي إلى أداة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الفيدرالية، مانحا مكتب الإدارة والميزانية صلاحيات استثنائية لتحديد الجهات التي تستمر في العمل أو تتوقف، والموظفين الذين يحتفظون بوظائفهم أو يسرحون.
ومع دخول الإغلاق أسبوعه الثالث، أعلن المكتب أنه يستعد لموجة جديدة من تقليص الوظائف، فيما وصف ترامب مدير المكتب راس فُوت بـ“حاصد الأرواح”، بعدما وجه أموال الحكومة لدعم أولويات الرئيس، وفي مقدمتها تمويل الجيش، مقابل تقليص الإنفاق في مجالات التعليم والصحة والعلوم. وقد أثارت هذه الإجراءات انتقادات حادة واتهامات بانتهاك القانون، وسط استعداد لمواجهات قضائية مرتقبة.
وقال ترامب خلال فعالية في البيت الأبيض إن البرامج التي يدعمها الديمقراطيون “لن تعود في كثير من الحالات”، مضيفا أن إدارته “قادرة الآن على تنفيذ ما لم يكن ممكنا من قبل.”
ويأتي ذلك في ظل جمود سياسي داخل الكونغرس، حيث يرفض مجلس النواب الذي يقوده الجمهوريون استئناف جلساته، بينما فشل مجلس الشيوخ في تمرير ثمانية تصويتات لإعادة فتح الحكومة بسبب تمسك الديمقراطيين بتمويل برامج الرعاية الصحية.
ويعد فُوت، أحد أبرز مهندسي مشروع السياسات المحافظ “مشروع 2025”، المسؤول الفعلي عن إدارة الأزمة الحالية، إذ يتبنى رؤية لإعادة تقليص حجم الحكومة بما يتوافق مع أجندة ترامب. ويرى مراقبون أن هذا السيناريو هو ما كان يخشاه الديمقراطيون في حال تعثر تمرير الموازنة.
ورغم اتساع نطاق الإغلاق، فإن أولويات ترامب الأمنية والعسكرية لم تتأثر، إذ استخدمت الإدارة إيرادات جمركية متبقية للحفاظ على برامج دعم الغذاء للنساء والأطفال، فيما استخدمت أموال بحث وتطوير غير مصروفة في البنتاغون لتغطية رواتب العسكريين، وجرى توجيه موارد إضافية لضمان استمرار رواتب عناصر خفر السواحل.
في المقابل، توقفت عشرات البرامج المدنية، وسرح آلاف الموظفين في مجالات التعليم والبنية التحتية والأمن السيبراني، حيث تلقى أكثر من 4,000 موظف إشعارات بالفصل خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن، من ولاية ماريلاند، إن “ترامب ومدير ميزانيته يستغلان الإغلاق لترهيب موظفي الحكومة المخلصين”، واصفًا ما يجري بأنه “غير قانوني وسنواجههم في المحكمة”.
ويعد هذا الإغلاق، الذي تجاوز أسبوعه الثاني، من أطول حالات الشلل الحكومي في التاريخ الأمريكي الحديث، بعد فشل الكونغرس في تمرير المخصصات المالية قبل الموعد الدستوري في الأول من أكتوبر، في ظل الخلاف حول تمويل الرعاية الصحية ضمن قانون “أوباما كير”.
وفي مؤتمر صحفي بالكونغرس، رحّب رئيس مجلس النواب مايك جونسون بإجراءات مكتب الإدارة والميزانية، مؤكدا أن المكتب “يملك كامل الحق في إعادة توزيع الأموال”، متحديا الديمقراطيين بالقول: “إذا أرادوا مقاضاة الإدارة، فليفعلوا ذلك.”
وعلى غير المعتاد، أعلن المكتب الأسبوع الماضي بدء تنفيذ إجراءات “خفض القوة العاملة”، ما يعني أن نحو 750 ألف موظف فيدرالي تم تسريحهم مؤقتا، في حين ضمن الجيش استمرار صرف رواتب أفراده من خلال إعادة توجيه 8 مليارات دولار من أموال البحث والتطوير.
من جانبه، نشر ترامب مؤخرا مقطع فيديو مولدا بالذكاء الاصطناعي يظهر فُوت مرتديا عباءة سوداء ويحمل منجلا، في إشارة رمزية إلى دوره كـ“حاصد الأرواح”. وردّ النائب الديمقراطي المخضرم ستيني هوير قائلا: “كل زعيم استبدادي لديه حاصد أرواح، وراسل فُوت هو حاصد ترامب.”
ويرى محللون أن قانون التخفيضات الضريبية الذي أقره ترامب سابقا منح البيت الأبيض هامشا واسعا لإعادة توجيه الأموال بعيدا عن رقابة الكونغرس، إذ أتاح ما يقارب 175 مليار دولار لوزارة الدفاع و170 مليارا للأمن الداخلي، معظمها لدعم مشاريع الرئيس ذات الأولوية، بما في ذلك برنامج “القبة الذهبية” الدفاعي وأجندة الترحيل الجماعي.
وبحسب تقرير مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO)، تستطيع الإدارة استخدام بعض هذه الأموال أثناء الإغلاق الحالي، بما في ذلك التمويلات الإلزامية المقررة في قانون المصالحة لعام 2025، ما يمنح البيت الأبيض قدرة على مواصلة تنفيذ برامجه دون العودة إلى الكونغرس.
وبينما يتواصل الشلل في واشنطن، يرى مراقبون أن الإغلاق الحالي تجاوز البعد المالي إلى مواجهة سياسية تهدف إلى إعادة صياغة شكل الدولة الأمريكية وحدود سلطتها التنفيذية.


