واشنطن SBC
في مثل هذا اليوم من عام 2018 كان موعد السودانيين مع انطلاق ثورة ديسمبر التي منحتهم الفرصة للانعتاق، والتحرر، من نظام الحركة الإسلامية الذي استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو 1989، منهياً بذلك النظام الديمقراطي الثالث في تاريخ البلاد والذي سبقته انتفاضة توجت بإنهاء فترة نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري في السادس من أبريل 1985.
شرارة الثورة
لم يتحسب نظام البشير لما جلبه التاسع من ديسمبر 2018 له، فقد اندلعت سلسلة من المظاهرات في عدة مدن سودانية، وتراوحت أسبابها بين زيادة كلفة الحياة المعيشة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وغياب الحريات العامة، بعد انفصال جنوب السودان، وتأثير المقاطعة الاقتصادية الدولية على النظام. وقد بدأت التظاهرات في عدد من المدن السودانية في نيالا، والدمازين، وعطبرة، التي تم فيها حرق دار الحزب الحاكم، وبلغت ذروة الثورة في العاصمة السودانية تدعو إلى إصلاحات اقتصادية عاجلة، وسرعان ما تحولت لاحقاً إلى مطالبات بتنحي الرئيس عمر البشير الذي تميز عهده بإجراء إصلاحات اقتصادية في فترة التسعينات باسم الخصخصة وقد ساهمت في انهيار اقتصاد البلاد. إذ قادت تلك السياسة الاقتصادية إلى تدهور قيمة العملة السودانية، وانخفاض أداء الخدمة المدنية، وهجرة العقول السودانية مع حدوث إجراءات أمنية قابضة أثرت على حرية التنطيم السياسي، وتقلصت فرص الحريات العامة فيما أصبحت الصحافة، وأجهزة الإعلام، تعبر عن بيئة استبدادية قادت إلى الانسداد السياسي.
بروز تجمع المهنيين
قادت التظاهرات العارمة التي استغلت التوهان السياسي للنظام الحاكم إلى بروز تجمع المهنيين السودانيين الذي شرع في تنظيم حركة الثائرين عبر المواكب ما أدى ذلك إلى زيادة التأييد للاحتجاج وسط قطاعات المجتمع، خصوصا النساء، والشباب. وفي ظل عجز النظام عن إيقاف سيل التظاهرات تطورت شرارة الثورة لتشمل قطاعات المثقفين، وقد هيأ الفراغ السياسي الفرصة للتيارات السياسية إلى تنظيم نفسها عبر إصدار إعلان الحرية والتغيير، والذي شكل جسما موحداً لكل الأحزاب السياسية التاريخية، ومهد لها السبيل لتنظيم صفوفها مجتمعة للقضاء على النظام. ومع مرور الشهور المضطربة، وزيادة وطأة الأزمة الاقتصادية، رفعت الثورة شعارات تستعيد ذكرى ثورة أكتوبر 1964 وكذلك ثورة أبريل 1985، وعبرت هذه الشعارات عن تحقيق شعار جديد حمل عنوان “حرية، سلام، وعدالة” بالترافق مع شعار “تسقط بس”. وهكذا استمرّ السجال العنيف بين قوى الأمن السودانبة والمظاهرات التي حددت السلمية سبيلا لتحقيق الثورة على نظام البشير.
وفي هذه الأثناء انضمت قطاعات من شباب الحركة الإسلامية، وبعض رموزها، للتظاهرات مما زاد من إحداث ربكة لدى النظام الذي بدأ أول عهده بترديد شعارات إسلامية تحت لافتة المشروع الحضاري الذي سعى عرابه الراحل الدكتور حسن الترابي إلى إعادة صياغة البلاد وفق منظومة حكم إسلامية تحرر البلاد من تكوينها الدستوري العلماني السابق، كما أكد في خطبه.
مثَّل اعتصام المتظاهرين أمام بوابة القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة نقطة مفصلية لترنح نظام حزب المؤتمر الوطني الحاكم بصورة غير مسبوقة طيلة فترة وجوده، وتواصل الضغط الثوري ضد نظام الحركة الإسلامية، والذي كان على رأسه عمر حسن أحمد البشير بعد ان أنهى حضور الترابي في أجهزة السلطة. وبعد أن اقتحم المتظاهرون باحة القيادة العامة في السادس من إبريل 2019 ظلوا يتظاهرون يومياً أمامها بعد أن نصبوا خياماً تشهد نشاطا مكثفا ضد النظام ليلاً ونهاراً حتى تم خلع الرئيس البشير بعد صدور بيان رئيس المجلس العسكري الانتقالي بقيادة الفريق أول أحمد ابن عوف في نهار 11 أبريل 2019، وهو يعد الممثل الأعلى لسلطة تحمل اسم اللجنة الأمنية التي اختارها البشير ممثلة لأفرع القوات المسلحة، وجهاز الأمن، والقوات النظامية الأخرى.


رفض ابن عوف..وصعود البرهان
ولكن الجماهير المترابطة أمام القيادة رفضت بيان الفريق ابن عوف بوصف انه كان من أهم رموز النظام السابق، ويعد امتداداً جديدا للنظام. وأمام هذا الوضع تنحى ابن عوف في نهار يوم 12 أبريل 2019 عن منصب رئيس المجلس العسكري الانتقالي وتم تنصيب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والذي بدوره شكل مجلسا عسكريا ضم قيادات عسكرية وأمنية بجانب قائد الدعم السريع ساهمت في نزع فتيل الأزمة بشكل مؤقت. ولاحقاً أعلن البرهان استجابته لمطالب الثوار، ودعا قيادات الثورة المدنية للتفاكر لإنجاز شعارات الثورة، والبدء في تشكيل سلطة انتقالية تضطلع بمهام التجهيز للانتخابات العامة.
ومع ذلك استمر الثوار في اعتصام القيادة العامة من أجل تحقيق مطالب ثورتهم في وقت استمر البرهان في التفاوض مع قيادات قوى الحرية والتغيير حتى وقعت مجزرة فض الاعتصام في آخر أيام شهر رمضان المعظم. ولم تفت مجزرة فض الاعتصام من عضد الثوار واستمرّت المظاهرات ضد المجلس العسكري وتم استئناف المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير حتى تم التوقيع على الوثيقة الدستورية بين الطرفين في السابع عشر من اغسطس 2019.
ووفقا للوثيقة تم إعلان مجلس السيادة برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان وعضوية مشتركة من المدنيين والعسكريين، وكذلك تم تشكيل حكومة الفترة الانتقالية برئاسة د عبدالله حمدوك والتي استمرّت في أداء مهامها إلى أن انقلب عليها الفريق البرهان في الخامس والعشرين من اكتوبر 2021 مقوضاً بذلك أحلام ثوار ديسمبر ودخول البلاد في حكم عسكري جديد بقيادة الفريق أول ركن البرهان وقائد الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو ليرسم الإثنان حلقة جديدة في سجل الدولة الضعيفة سرعان ما إنتهت إلى حرب مدمرة تستمر حتي هذه الذكري لثورة ديسمبر المجيدة.


