SBC: واشنطن
– كشف تحقيق استقصائي أجرته وكالة رويترز عن تورط شركات يسيطر عليها عسكري متقاعد من القوات الخاصة للجيش الأمريكي في تشغيل أسطول من طائرات البوينغ القديمة التي ربطت محاور لوجستية إقليمية بمعاقل قوات الدعم السريع شبه العسكرية المتهمة بارتكاب فظائع وتطهير عرقي يرقى إلى الإبادة الجماعية في إقليم دارفور. رجل الأعمال الأمريكي المعني هو ستيفن شوليس، البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما، والذي يعرف علنا بأنه رئيس شركة “سي إيه دي جي” المتمركزة في سنغافورة، وهي شركة خدمات لوجستية عالمية حصدت من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين ما لا يقل عن أربعمائة وتسعة عشر مليون دولار عبر مشاريع عسكرية ومساعدات خارجية على مدى أكثر من عشرين عاما، شملت بناء بنى تحتية للقوات الأمريكية في أفغانستان، وتزويدها بأنظمة التكييف في العراق، وتطوير مهبط طائرات لصالح وزارة الدفاع الأمريكية في كينيا، بالإضافة إلى حصول شركاته على عقود تجاوزت قيمتها مائة وستين مليون دولار من وكالات الأمم المتحدة المختلفة، على الرغم من أن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أكد أن المنظمة لم تكن على دراية بنشاط هذه الطائرات وأن الشركة لم تنفذ أي أعمال لصالح الأمم المتحدة داخل السودان.
وبدأت الخيوط التي قادت إلى كشف هذا النشاط السري من حطام طائرة غامضة من طراز بوينغ سبعمائة وسبعة وثلاثين دمرتها غارة جوية للجيش السوداني في الثالث من مايو من عام ألفين وخمسة وعشرين بمطار مدينة نيالا، المعقل اللوجستي الأبرز لقوات الدعم السريع في دارفور، حيث أسفرت الضربة عن مقتل أربعة وخمسين شخصا، من بينهم واحد وخمسون مقاتلا من قوات الدعم السريع وستة ضباط رفيعي المستوى، وتسببت هذه الحادثة في تصعيد عسكري كبير شمل ضربات انتقامية بطائرات مسيرة من الدعم السريع على العاصمة المؤقتة بورتسودان، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين الحكومة السودانية ودولة الإمارات العربية المتحدة التي اتهمها السودان وخبراء دوليون بدعم هذه الهجمات بالمسيرات والسلاح وتجنيد المرتزقة. وكشفت السجلات الوثائقية وعقود العمل لاحقاً أن مساعد الطيار وهو من جنوب السودان، والمهندس الأرضي البيروفي، الذين لقيا حتفهما في الهجوم، كانا يعملان لدى شركة “أوكسيدنتال لخدمات الدعم” المملوكة بالكامل لشوليس والمسجلة في دولة الإمارات، حيث أظهر عقد الطيار الموقع قبل ثلاثة أسابيع فقط من مقتله أنه كان يتلقى راتبا يوميا يقدر بمائتي دولار مع مكافآت تصل إلى ألف دولار في حال الهبوط تحت ظروف صعبة ومحفوفة بالمخاطر.
وتوسع التحقيق ليكشف عن طائرتين أخريين من طراز بوينغ سبعمائة وسبعة وعشرين مرتبطتين بشركات شوليس، الطائرة الأولى اشترتها شركة جنوب أفريقية يديرها شوليس وشريكه كريغ مونرو باسم “كونتراكتور إيرويز” في أواخر مايو من عام ألفين وخمسة وعشرين من شركة الشحن الأمريكية “كاليتا تشارترز”، ورغم تأكيد محامي الشركة البائعة أنهم أجروا تدقيقا صارما للامتثال للعقوبات ولم يجدوا أي مخالفات ضد شوليس أو مونرو، إلا أن الطائرة نقلت فورا إلى القسم العسكري في مطار العاصمة التشادية نجامينا، حيث رصدت وهي تقبع بجوار الطائرات الرئاسية والمسيرات التشادية في منطقة مغلقة تخضع لسيطرة الجيش التشادي بالكامل. واستنادا إلى بيانات تتبع الهواتف المحمولة وتحليل صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو، نفذت هذه الطائرة سبع رحلات على الأقل بين يونيو وأكتوبر من عام ألفين وخمسة وعشرين إلى مطار الكفرة في جنوب شرق ليبيا، وهو مطار صحراوي ناء يسيطر عليه قائد عسكري ليبي متحالف مع الإمارات، وشكل محورا حيويا لعمليات الإمداد الجوي لقوات الدعم السريع خلال حصارها لمدينة الفاشر في دارفور، كما رصدت الطائرة نفسها في مقطع فيديو تم التحقق منه وهي تهبط في مطار نيالا الخاضع لسيطرة القوات شبه العسكرية.
أما الطائرة الثانية من طراز بوينغ سبعمائة وسبعة وعشرين، فقد تم شراؤها من شركة الطيران البرازيلية “توتال لينهاس أيرياس” مقابل نحو مليون دولار بواسطة وسيط نقل ملكيتها إلى شركة “أوكسيدنتال لخدمات الدعم” التابعة لشوليس، حيث غادرت البرازيل في أكتوبر من عام ألفين وأربعة وعشرين ووصلت إلى نجامينا في تشاد، ورصدتها الأقمار الصناعية وهي تقبع لشهور بجوار الطائرة الأولى وخضعت لعمليات صيانة كبرى شملت استبدال محركها الأيمن بمحرك داكن اللون كعلامة مميزة ساعدت المحققين في تتبع حركتها، حيث نفذت ثلاث رحلات إلى مطار الكفرة في ليبيا بين مارس عام ألفين وخمسة وعشرين ويناير من عام ألفين وستة وعشرين، تزامناً مع ذروة الجسر الجوي لتموين قوات الدعم السريع بالسلاح والوقود والمقاتلين الأجانب عبر شبكة إمداد معقدة تمتد من الصومال وليبيا وتشاد إلى السودان.
وفي مواجهة هذه الحقائق الدامغة، رفض ستيفن شوليس الإجابة على أسئلة مفصلة وجهتها له رويترز مدعيا أن الطائرات قد بيعت لجهات أخرى، في حين نفى شريكه كريغ مونرو أي صلة لشركاتهم بقوات الدعم السريع، مؤكدا أن الطائرات كانت تنقل معدات طبية فقط لصالح أحد العملاء في سياق عملهم الطبيعي، واصفا التقارير عن هبوطها في الكفرة ونيالا بأنها كاذبة على حد علمه. وفي المقابل، التزمت القيادة العسكرية لكل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع الصمت حيال هذه المعلومات، وامتنعت وزارة الدفاع الأمريكية والحكومة الإماراتية والسلطات في شرق ليبيا عن التعليق، بينما أكد وزير الخارجية التشادي أن بلاده لا تتدخل في الصراع السوداني إلا عبر الجهود الدبلوماسية، وصرح رئيس سلطة الطيران المدني في تشاد بأن الطائرات المذكورة لم تحصل على أي تراخيص رسمية أو شهادات تسجيل للعمل أو الهبوط في الأراضي التشادية، لتظل هذه الطائرات القديمة دليلا حيا على شبكات الدعم اللوجستي الدولية العابرة للقارات التي تغذي إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم حاليا.
لمزيد من التفاصيل: التقرير الاستقصائي الشامل والمترجم
التقرير الاستقصائي المفصل: المحارب القديم في الجيش الأمريكي وطائرات البوينغ الغامضة التي تحلق في مسارات حرب السودان
كشف تحقيق أجرته وكالة “رويترز” أن شركات يسيطر عليها عسكري متقاعد من القوات الخاصة بالجيش الأمريكي كانت تدير أسطولاً من طائرات “بوينغ” القديمة التي حطت في محاور لوجستية رئيسية تستخدمها قوات الدعم السريع خلال الحرب في السودان.
ووجدت “رويترز” أن الشركات المملوكة لمتعاقد حكومي وعسكري أمريكي قديم كانت تشغل عدة طائرات تربط طرق الإمداد الإقليمية بمعقل القوة شبه العسكرية المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في السودان.
للإعلام الخارجي، يظهر ستيفن شوليس (63 عاماً)، وهو عسكري متقاعد من القوات الخاصة الأمريكية، كرئيس لشركة CADG ومقرها سنغافورة (المعروفة سابقاً باسم Central Asia Development Group)، وهي شركة عالمية حازت على عقود من الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة لأكثر من 20 عاماً. وتظهر السجلات الحكومية أن شركات شوليس جنت ما لا يقل عن 419 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين من خلال المشاريع العسكرية ومشاريع المساعدات الخارجية.
وشملت أعمالهم بناء البنية التحتية للقوات الأمريكية في أفغانستان، وتزويدهم بأنظمة تكييف الهواء في العراق، والعمل في مطار تابع لوزارة الدفاع الأمريكية في كينيا.
ولكن خلف الكواليس، وجدت رويترز أن الشركات التي يسيطر عليها شوليس أدارت ثلاث طائرات بوينغ قديمة على الأقل كانت تطير إلى محاور لوجستية رئيسية تستخدمها قوات الدعم السريع (RSF)، وهي الجماعة السودانية شبه العسكرية المتهمة بارتكاب فظائع في إقليم دارفور. وكانت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والأمم المتحدة قد فرضت عقوبات على كبار قادة قوات الدعم السريع، إلى جانب أكثر من عشرين شخصاً وشركة متهمين بمساعدة القوة شبه العسكرية في شراء الأسلحة والمعدات وتجنيد المرتزقة.
وتنشر رويترز تقريراً عن تورط شركات شوليس في الحرب الأهلية بالسودان لأول مرة، ولم تجد الوكالة أي دليل على أن شوليس أو أي من شركاته قد خضعوا لعقوبات أو يواجهون اتهامات بارتكاب مخالفات من قبل السلطات.
تتبع الأثر: من حطام نيالا إلى مكاتب دبي وجنوب إفريقيا
يبدأ المسار الذي يؤدي إلى شوليس بطائرة بوينغ 737 غامضة دمرها الجيش السوداني في مايو 2025 في مطار نيالا، وهو معقل لقوات الدعم السريع في دارفور. وصرح مصدر ذو معرفة مباشرة لرويترز أن 51 مقاتلاً من قوات الدعم السريع كانوا من بين 54 شخصاً قُتلوا في تلك الضربات.
وكان الطيار والمهندس الأرضي الذين كانوا على متن الطائرة موظفين لدى شركة Occidental Support Services (أوكسيدنتال لخدمات الدعم)، وهي شركة مملوكة بالكامل لشوليس ومسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفقاً لسجلات الشركات والتوظيف التي تمت مراجعتها لهذا التقرير. كما حددت رويترز طائرتين إضافيتين من طراز بوينغ 727 مرتبطتين بشركات شوليس تحركتا من البرازيل والولايات المتحدة منذ أكتوبر 2024 إلى تشاد، حيث قامتا برحلات إلى محاور إمداد معروفة تستخدمها قوات الدعم السريع.
ولايزال الكثير غامضاً بشأن أنشطة الطائرات، بما في ذلك الجهة التي تدفع مقابل عملياتها وما تحمله عادةً، بصرف النظر عن مقاتلي قوات الدعم السريع الذين كانوا على متن الطائرة التي تعرضت للهجوم. وقد رفض شوليس الإجابة على أسئلة مفصلة من رويترز حول شركاته أو طائرات البوينغ، ولم تستجب قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية للاستفسارات.
وينضم رجل الأعمال الأمريكي إلى قائمة متزايدة من الأطراف الفاعلة في الحرب الأهلية المستمرة. وقد اتهمت جماعات حقوق الإنسان، والمشرعون الأمريكيون، وخبراء الأمم المتحدة دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والمرتزقة، مما يغذي الصراع في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا نأياً وفقراً، بينما تقول الدولة الخليجية إن تدخلها في السودان إنساني. وفي المقابل، تلقت القوات المسلحة السودانية دعماً سياسياً قوياً ومستويات متفاوتة من الدعم العسكري من قوى إقليمية تشمل مصر وتركيا والسعودية وقطر.
ويستند هذا التقرير إلى مراجعة سجلات الشركات، وسجلات الطيران، وعقود البيع والتوظيف، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات تتبع الرحلات الجوية، وبيانات موقع الأجهزة المحمولة، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي. كما أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من 40 شخصاً، بمن فيهم مسؤولو استخبارات ودبلوماسيون ومديرون تنفيذيون في مجال الطيران وخبراء في الأسلحة والسياسة الإقليمية.
شبكة الإمداد الدولية واختراق الحصار
منذ اندلاع الصراع في عام 2023، جمعت قوات الدعم السريع ترسانة هائلة وسيطرت على مساحات شاسعة من السودان. ولشن هذه الحرب، اعتمدت القوات على خطوط إمداد ممتدة تمر عبر الدول المجاورة لتسليم الوقود والأسلحة والمقاتلين الأجانب إلى أراضيها.
وقال كريستوفر كارلسون، منسق مشروع السودان في منظمة (Small Arms Survey)، والتي شاركت بعض أبحاثها الجارية حول شبكات الطيران هذه مع رويترز:
“هذه الأنظمة هي شبكات إمداد عالمية ودولية للغاية. لقد اعتمدت قوات الدعم السريع على مسارات إمداد جوية وبرية متعددة، ومقدمي خدمات لوجستية، والعديد من الوسطاء المختلفين”.
وتوفر طائرات البوينغ التي يديرها شوليس لمحة عن المراحل الأخيرة من تلك السلسلة، حيث ربطت المراكز الجوية في تشاد وليبيا والصومال بالأراضي الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في دارفور.
وكانت تلك المراكز حاسمة خلال عملية جسر جوي كبرى لإمداد مقاتلي الدعم السريع في دارفور أثناء قيامهم بحصار دام 18 شهراً لمدينة الفاشر، وفقاً لخبراء الأمم المتحدة ومسؤولي استخبارات ودبلوماسيين ومحللين عسكريين. وبدأت عملية الإمداد في فبراير من العام الماضي واستمرت حتى سقوط الفاشر في أكتوبر.
وتظهر بيانات تتبع الرحلات الجوية وصور الأقمار الصناعية ومقطع فيديو مفتوح المصدر أن الطائرات الثلاث التي ربطتها رويترز بشوليس هبطت 16 مرة على الأقل في ثلاثة من هذه المراكز: بوساسو في الصومال، والكفرة في ليبيا (والتي كانت حاسمة في عملية الفاشر)، ونيالا (أكبر مدن دارفور وأهم مركز عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع).
وكانت الطائرات تتمركز غالباً في نجامينا بتشاد، حيث التقطت صور الأقمار الصناعية وجودها داخل قسم عسكري من مطار العاصمة، والذي تسيطر القوات المسلحة التشادية على الدخول إليه. وتستخدم قوات الدعم السريع المطارات في هذه المواقع بانتظام كمراكز إمداد، وفقاً لخبراء الأمم المتحدة ودبلوماسيين وخبراء سياسيين إقليميين وجماعات حقوق الإنسان.
واتهمت الأمم المتحدة قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية خلال حصارها للفاشر، وهي واحدة من أكثر جولات الحرب دموية. ورسخ الاستيلاء على المدينة سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور، وهي منطقة تعادل مساحة فرنسا تقريباً. وتعود جذور هذه الجماعة شبه العسكرية إلى ميليشيات “الجنجويد” المدعومة من الحكومة والمتهَمة بارتكاب فظائع في دارفور شملت التطهير العرقي قبل عقدين من الزمن.
ويقول خبراء العقوبات إن مساعدة قوات الدعم السريع قد تنتهك مجموعة من عقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة، والتي تحظر تقديم الخدمات عمداً، بما في ذلك نقل الشحنات وتحريك الأفراد وتقديم الدعم اللوجستي.
ولم تستجب حكومة الإمارات العربية المتحدة ووزارة الدفاع الأمريكية لأسئلة رويترز، كما لم تستجب السلطات الحاكمة في شرق ليبيا.
وصرح وزير الشؤون الخارجية التشادي، عبد الله صابر فضل، في بيان بأن تدخل تشاد الوحيد في حرب السودان هو من خلال “الجهود الدبلوماسية لاستعادة السلام في ذلك البلد الشقيق” وأن بنيتها التحتية العسكرية تُستخدم فقط للعمليات المحلية لقوات دفاعها.
من جانبه، قال براهيم دادي، المدير العام لسلطة الطيران المدني في تشاد، إن طائرتي البوينغ 727 والبوينغ 737 لم تكن لديهما تصاريح للعمل من تشاد، مضيفاً أن السلطة لم تتلق طلبات رسمية لتسجيل الطائرات أو إصدار الشهادات اللازمة للهبوط أو الطيران داخل الأراضي التشادية.
هجوم الطائرة كمنعطف تاريخي في الحرب
الجيش السوداني وقوات الدعم السريع كانا قد تحالفا للإطاحة بالرئيس عمر البشير في عام 2019. وبدأت الحرب عندما اختلف قادة المعسكرين بعد أربع سنوات حول خطط دمج قواتهم العسكرية خلال انتقال فاشل إلى حكومة مدنية. ويُقدر عدد القتلى منذ ذلك الحين بمئات الآلاف، كما هُجر ملايين السودانيين، وتفاقمت المجاعة والأمراض بسبب القتال، مما خلق ما تسميه الأمم المتحدة أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
ومثل قوات الدعم السريع، اتُهم الجيش السوداني من قبل محققي الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك الهجمات العشوائية على المدنيين والإعدامات الميدانية.
وقبل أن تبدأ شركاته في تشغيل الطائرات من تشاد، كان شوليس قد رسخ نفسه كلاعب رئيسي في التعاقدات العسكرية من خلال شركته اللوجستية وعمليات الطيران CADG. بعد تركه للقوات الخاصة الأمريكية، بدأ شوليس العمل في المشاريع الزراعية والتنموية في آسيا الوسطى، وأسس شركة CADG في عام 2002، بعد عام من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان.
وتُسجل CADG في سنغافورة، وتمتلك مستودعاً بمساحة 75,000 قدم مربع في دبي، وقواعد جوية في جنوب إفريقيا والسودان، ونفذت مشاريع بقيمة 800 مليون دولار عبر إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وفقاً لموقعها على الإنترنت. وشملت عقودها مع الحكومة الأمريكية في إفريقيا تشييد مبانٍ لصالح الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في موزمبيق، ومرافق إمداد المياه لسلاح الجو الأمريكي في كينيا، ومباني للجيش الأمريكي في جمهورية إفريقيا الوسطى، وفقاً لمراجعة رويترز للوثائق الحكومية.
وتلقت شركات CADG أكثر من 160 مليون دولار لأعمال تعاقدية مع وكالات الأمم المتحدة في العقدين الماضيين. ويُرجح أن تكون هذه الأرقام أقل من القيمة الفعلية الإجمالية للأعمال بسبب فجوات السجلات وصعوبة العثور على كل عقد.
وأكد ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن CADG قامت سابقاً ببعض الأعمال التعاقدية مع الأمم المتحدة، لكنه قال إن الأمم المتحدة لم تكن على دراية بالطائرات أو العمليات المذكورة في هذا التحقيق، وأن CADG لم تقم بأي عمل لصالح الأمم المتحدة داخل السودان.
وكان الهجوم على الطائرة الأولى التي ربطتها رويترز بشوليس، وهي البوينغ 737، بمثابة نقطة تحول في الصراع، حيث أطلق شرارة تصعيد كبير. وقال الجيش السوداني إنه دمر الطائرة في 3 مايو 2025 لأنها كانت تمد قوات الدعم السريع بالإمدادات. In اليوم التالي للهجوم، شنت قوات الدعم السريع سلسلة من الضربات الانتقامية بالطائرات المسيرة على العاصمة المؤقتة للجيش، بورتسودان، ثم قطعت الحكومة التي يقودها الجيش العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات التي اتهمتها بدعم ضربات المسيرات.
وتمكنت رويترز من تحديد الطائرة من خلال طلائها المميز باللونين الأبيض والخمري (البرغندي)، وهو طلاء يعود لفترة استخدامها السابقة كطائرة ركاب تجارية. وقبل ساعات من مهاجمتها، التقطت صورتها عبر الأقمار الصناعية في القسم العسكري بمطار نجامينا الدولي في تشاد، حيث كانت تقف في واحدة من أكثر المناطق أماناً في البلاد، والتي تضم الطائرات المسيرة التابعة لتشاد وطائرات سلاح الجو والطائرة الرئاسية.
وبعد ساعات، هبطت الطائرة في مطار نيالا الخاضع لسيطرة الدعم السريع. وقال محلل عسكري غربي، نقلاً عن مصادر، إنها كانت الرحلة الرابعة للبوينغ 737 إلى المطار الصغير عندما هبطت هناك في حوالي الساعة العاشرة مساءً يوم 2 مايو، وضربها الجيش السوداني بغارات جوية بعد حوالي أربع ساعات. ولم تستجب القوات المسلحة التشادية لطلب التعليق بشأن وجود طائرات البوينغ في القسم العسكري بمطار نجامينا.
وبالإضافة إلى القتلى الـ 54، قال مصدر ذو معرفة مباشرة إنه تم نقل 57 راكباً مصاباً، بما في ذلك عدد غير معروف من مقاتلي الدعم السريع، إلى المستشفى السوداني التركي في نيالا. وقال المحلل العسكري إن ستة ضباط كبار على الأقل من الدعم السريع كانوا من بين القتلى.
وكان من بين القتلى طيار من جنوب السودان، وطيار كيني، ومهندس أرضي بيروفي. وكان الطيار الجنوب سوداني والمهندس يعملان لدى شركة “أوكسيدنتال لخدمات الدعم” التابعة لشوليس ومقرها الإمارات في وقت تلك الرحلة المميتة، وفقاً لنسخ من عقودهما التي راعتها رويترز وسجلات قدمتها شركة استخبارات شركات.
ويظهر عقد الطيار أنه كان يتقاضى حوالي 200 دولار يومياً للعمل كمساعد طيار لشركة أوكسيدنتال، مع مكافآت محتملة تصل إلى 1000 دولار مقابل “الظروف الصعبة والهبوط في الوقت المناسب”، وهو راتب مرتفع بالنسبة لجنوب السودان، أحد أفقر بلدان العالم. وكان العقد مؤرخاً في 13 أبريل 2025، أي قبل حوالي ثلاثة أسابيع من مقتله، وتضمن بنداً يمنعه من القيام بأعمال مماثلة دون موافقة أوكسيدنتال.
وفي حين أن شركة شوليس وظفت الطاقم، لم تتمكن رويترز من تحديد من كان يملك الطائرة النفاثة عندما تم تدميرها في نيالا، حيث إن الشركات التي توفر الأطقم للطائرات غالباً لا تمتلك الطائرة نفسها في قطاع الطيران.
وصول طائرات البوينغ 727 من أمريكا والبرازيل إلى إفريقيا
بعد أسابيع قليلة من تدمير طائرة الـ 737، اشترت شركة أخرى تابعة لشوليس طائرة بوينغ أخرى من طراز 727، صُنعت عام 1980، من متعاقد حكومي أمريكي يدعى Kalitta Charters II LLC في ولاية ميشيغان الأمريكية.
كانت هذه الطائرة الأولى من بين ثلاث طائرات بوينغ 727 اشترتها شركات وأشخاص مرتبطون بشوليس من شركة “كاليتّا” ونقلوها إلى إفريقيا. وتتبعت رويترز الطائرة الأولى إلى محاور إمداد قوات الدعم السريع، لكنها لم تجد دليلاً على أن الطائرتين الأخريين سلكتا نفس المسارات.
وقد تم شراء هذه الطائرة الأولى، ذات التسجيل N726CK، في 29 مايو 2025 بواسطة شركة جنوب إفريقية تدعى Contractor Airways Proprietary Limited، وفقاً لوثائق إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA). ويظهر اسم شوليس كمدير للشركة في سجل الأعمال بجنوب إفريقيا، إلى جانب شريكه التجاري القديم في إفريقيا، كريغ مونرو، وهو أيضاً الرئيس التنفيذي لشركة Contractor Airways.
وصرح محامي شركة “كاليتّا” لرويترز بأنه قبل الموافقة على بيع الطائرات الثلاث لشركة كونتراكتور، أجرت كاليتّا عمليات تدقيق مكثفة لضمان الامتثال للعقوبات. وتضمن ذلك نموذج “اعرف عميلك” الذي راجعته رويترز، والذي حدد شوليس ومونرو كمالكين مشتركين للشركة ولم يشر إلى أي انتهاكات للعقوبات تتعلق بهما أو بالشركة.
وفي نفس اليوم الذي تم فيه توقيع العقد، هبطت الطائرة في نجامينا، وفقاً لبيانات تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية ورسالة مؤرخة في فبراير 2026 من سلطة الطيران المدني في تشاد شاركها محامي كاليتّا.
وعند التواصل معه للتعليق، قال مونرو إن شركة Occidental Support Services قدمت التمويل لعمليات الاستحواذ على الطائرات لشركة Contractor Airways. وزعم أن تلك الطائرة وطائرة أخرى من طراز 727 تابعة لكاليتّا طارتا إلى تشاد وظلتا مركونتين منذ وصولهما، باستثناء بعض “الرحلات من وإلى نجامينا لنقل معدات طبية لصالح عميل، في السياق العادي لأعمالنا”. وبدوره، أحال شوليس الأسئلة حول الطائرة إلى مونرو قائلاً إنه تم بيعها، دون تقديم تفاصيل إضافية. ولم يتم الرد على رسائل ومكالمات متعددة لأرقام الهواتف والبريد الإلكتروني المدرج في رخصة عمل أوكسيدنتال.
ولمعظم فترات العام الماضي، ركنت طائرة البوينغ 727 الأولى التابعة لكاليتّا داخل القسم العسكري الخاضع للحراسة المشددة بمطار نجامينا. وبين يونيو وأكتوبر 2025، قامت بـ 7 رحلات على الأقل إلى مطار الكفرة في ليبيا، وفقاً لصور الأقمار الصناعية وبيانات الموقع لجهاز محمول سافر على تلك الطائرة وعلى طائرة بوينغ قديمة أخرى ربطتها رويترز بشركات شوليس.
وقد تم توفير وتحليل بيانات الهاتف المحمول بواسطة Conflict Insights Group، وهي منظمة بحثية للمصلحة العامة ترصد الصراع في السودان.
وكان المطار الصحراوي النائي في جنوب شرق ليبيا، على بعد حوالي 300 كم من حدود السودان، حاسماً خلال حصار الدعم السريع للفاشر. وتخضع الكفرة لسيطرة قائد عسكري ليبي متحالف مع الإمارات العربية المتحدة، وقد رفضت السلطات في مطار الكفرة التعليق.
وطارت نفس الطائرة النفاثة مرة واحدة على الأقل إلى نيالا، وفقاً لمقطع فيديو غير مؤرخ نشرته وسيلة الإعلام الكولومبية La Silla Vacia في 3 أغسطس 2025 كجزء من تقرير عن مرتزقة كولومبيين يعملون في السودان، حيث يظهر الفيديو طائرة بوينغ 727 بنفس الهيكل الأبيض والذيل الرمادي تهبط في مطار نيالا. وتحققت رويترز من الفيديو وأكدت أنه تم تصويره في نيالا في وقت ما بعد 10 يونيو 2025.
وقال مونرو إن الادعاءات بأن الطائرات هبطت في الكفرة ونيالا هي “كاذبة على حد علمنا”، مضيفاً: “لا يوجد، ولم يكن هناك أبداً، أي صلة بين Contractor Airways وقوات الدعم السريع”.
أما طائرة البوينغ 727 الأخرى التي انتهى بها المطاف في القسم العسكري بمطار نجامينا فقد جاءت من البرازيل، وانتهى بها الأمر أيضاً بالقيام برحلات إلى الكفرة.
وصرح بائع الطائرة – وهي شركة طيران الشحن والcharter البرازيلية الصغيرة Total Linhas Aereas – لرويترز بأنه باع الطائرة مقابل حوالي مليون دولار لوسيط طيران أمريكي يدعى مايكل فيريرا، والذي باعها بدوره لشركة أوكسيدنتال. وعند التواصل معه، قال فيريرا إنه “ليس على علم” بالطائرة ورفض تقديم المزيد من التعليقات.
وأُدرج المشغل الجديد للطائرة في وثائق التسجيل البرازيلية تحت اسم Occidental Suporting Services (مع خطأ إملائي طفيف في اسم شركة شوليس). واستُشهد بشركة مكتوبة بنفس الطريقة كمشغل للطائرة في أكتوبر 2024 من قبل وسائل إعلام الطيران البرازيلية التي أوردت نبأ بيع طائرة البوينغ 727 القديمة ذات التسجيل PR-TTW، مشيرة إلى أنها كانت متجهة إلى تشاد.
وقالت شركة Total البرازيلية لرويترز إنها طارت بالطائرة إلى مدينة ناتال في شمال شرق البرازيل، وهي نقطة انطلاق شائعة لرحلات الشحن عبر المحيط الأطلسي إلى إفريقيا، حيث تظهر بيانات التتبع وصولها في 30 أكتوبر 2024. وتظهر بيانات الموقع للجهاز المحمول الذي تتبعته رويترز على طائرة كاليتّا الأولى أن نفس الجهاز طار من ناتال إلى نجامينا، ووصل بحلول 1 نوفمبر.
ولمعظم فترات العام الماضي، أظهرت صور الأقمار الصناعية طائرة الـ 727 القادمة من البرازيل وطائرة كاليتّا الأولى تقفان جنباً إلى جنب في القسم العسكري بمطار نجامينا. وخضعت الطائرة القادمة من البرازيل لصيانة كبرى في تشاد، وتظهر صور الأقمار الصناعية من ديسمبر 2024 أن محركها الأيمن كان مفقوداً، ثم تم استبداله بمحرك مطلي بلون داكن، وهي ميزة واضحة سهلت التعرف عليها في صور الأقمار الصناعية لاحقاً.
وتظهر تلك الصور أن الطائرة قامت بثلاث رحلات على الأقل إلى الكفرة في ليبيا؛ في 25 مارس، و18 سبتمبر، و4 يناير 2026. وتزامنت هذه الرحلات مع طفرة في رحلات الشحن من الإمارات العربية المتحدة والصومال إلى الكفرة وثقها فريق خبراء الأمم المتحدة في الفترة التي سبقت استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر.
وفي النهاية، تظهر صور الأقمار الصناعية أنه بين 9 يوليو و12 يوليو من هذا العام (2026)، تم نقل جميع طائرات البوينغ الثلاث من القسم العسكري في مطار نجامينا وركنها في مكان آخر بالمطار.


