دكتور وجدي كامل
لا تقف أزمة الإدارة الحزبية الإئتلافية والتحالفية للمراحل الإنتقالية في غياب ضبط السياسات فقط، ولكن في تشكل علاقة الأحزاب بالتأهيل الاداري لعضويتها القائدة كواحدة من أهم مقعدات العمل الإداري المدني في مراحل الإنتقال الديمقراطي. الأحزاب في مقارعاتها للأنظمة الشمولية، وفي سعيها ومسعاها للسلطة غالبا ما تبدو مسيطرة على أدوات النضال ورفع مطالب الجماهير بموضوعات ومحاور التغيير. وقد يبدو ذلك من الوهلة الأولى تعبيرا عن أصالة في عملها ورغبة في إيصال المطالب للأهداف بعد حدوث التغيير. وتمثل الدعاية الإنتخابية بعد إنتصار التغيير(إنتفاضة – ثورة) حاملا لأشواق الغالبية الثائرة مما يرفع سقف التوقعات لديها بتحقيق مطالبها الإقتصادية والإجتماعية عند صعود الحزب لسدة الحكم. ولكن فقد ثبت وبعد تكرر الظاهرة انه وبعد مضي أشهر قليلة سرعان ما تقع خيبة الأمل وتتضخم مادة الإحباط لدى الجماهير التي صوتت بالأمس للحزب عندما لا تجد من مطالباتها شيئا قد تحقق أو في طريقه الى التحقيق. السبب في ذلك يكمن في تعامل الأحزاب بعدم مسؤلية مع القيمة الجوهرية لإدارة شؤون الناس في المراحل الإنتقالية عندما تقدم كوادرها السياسية في المناصب القيادية دون مراعاة للمقاييس الدقيقة والصارمة للمنصب إمتثالا لضرب من الصراعات والضغوط الداخلية بها التي تعكس حالة من التنافس بين النخب السياسية بداخلها لتولي المناصب التنفيذية عندما يرى كل فرد انه الأحق بالمنصب الوزاري الذي من نصيب حزبه. ولا جدوى نجدها في تصوير وضع التنافس فيما بين أعضاء الحزب الواحد وما يقومون به من تأثير على القيادة الحزبية ودور القيادة الحزبية نفسها في ترجيح كفة إختيارهم. غير أن الملاحظة في اختيارات وزراء المراحل الانتقالية الثلاثة التي تلت ثورة اكتوبر 64 والانتفاضة 85 وديسمبر 2019 قد اتفقت على وعورة التساهل الذي اعتمدت عليه الأحزاب الفائزة بصفة فردية مطلقة، أو بالتحالف مع غيرها مع مسؤلية اختيار ممثليها من المسؤلين (وزراء أو قيادات الخدمة المدنية) لتسنم الوظيفة العامة. لقد ادى اختيار عدد كبير من الوزراء والوزيرات للمناصب القيادية الى انهيار إضافي لقيمة المساهمة الإدارية وتطوير الخدمة المدنية بسبب عدم التأهيل التخصصي والتدريبي للوزراء في مجالات عملهم مما صور الوظيفة القيادية العامة كقيمة توازنات حزبية وارضاءات للنخب بحكم تمثيلهم إما لبيوت قائدة للأحزاب أو دوائر انتخابية موثرة في تكوين الأحزاب. ولنا أمثلة وفيرة في ذلك خاصة في تمثيل الكوادر السياسية للأحزاب في حكومة حمدوك الائتلافية التحالفية الأخيرة. أما تجربة الحركات المسلحة في التمثيل القيادي للمناصب العليا فتعكس ضربا من الاستهتار بالوظيفة واشتراطاتها وتكاد تبدو أقرب إلى حرص الحركات لدعم اقتصادها الداخلي ومحاباة عضويتها القيادية لأسباب تتعلق بتكوينها الخاص. ولا يمكن فصل قضية التأهيل الإداري للكوادر الحزبية عن غياب المؤسسة التدريبية أو المدرسة الادارية المناطة بذلك. فإذا كان الإستعمار الثنائي قد انتبه منذ الثلاثينات لأهمية المدرسة الإدارية التي كان الالتحاق بها والتأهيل المعرفي شرطا من شروط العمل الإداري فإن مؤسسة كتلك ومنذ الإستقلال قد غابت عن الحياة الإدارية وبحيث أصبحت مصلحة التاهيل أو الخدمة الادارية العامة مؤسسة معنية أكثر باستيعاب صغار الموظفين ومادون القيادات. لقد ترك ذلك الاختفاء أثرا ضارا عميق الفداحة بالخدمة المدنية مما عرضها لابشع حالات الإنتهاك والإنحطاط بعد بدء العمل بسياسة التمكين في عهد الإنقاذ. ومن أسوأ ظواهر ما بعد الثورة أن نجد وكانما الأحزاب لم تتعلم شيئا من التجارب ولم توفر التقدير اللازم للمجتمعات كمستفيد مباشر من الخدمة العامة بتقديم كوادرها السياسية دون تاهيل .


