بعد سيطرة الجيش على الإذاعة والتفزيون ما مصير ذاكرة الأمة.. تاريخها.. إرثها وحضارتها؟!

يشارك

اقرأ أيضا

القاهرة/ واشنطن/ فاطمة غزالي
سيطر الجيش السوداني اليوم الثلاثاء على مبنى الإذاعة والتلفزيون التي ظل يسيطر عليه الدعم السريع منذ أشهر خلال القتال الذي اندلع في 15 أبريل 2023.
وتحمل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون كنوزاً وثائقية بالغة الأهمية للسودان أرضاً وشعباً، ولكل من يمثل له السودان رقماً في دالة اهتماماته، فهذه المؤسسات الإعلامية تعد لأجيال عديدة بستاناً من العلم والمعرفة والأحداث الممتدة في مرايا الذاكرة الجمعية السودانية، فبينما تجمع دار الوثائق في أروقتها التاريخ والإرث والحضارة المكتوبة والمقروءة، تحتض مكتبات
الإذاعة والتلفزيون تاريخ السودان الصوتي والمرئي والتي لا تخلو من المعلومات المكتوبة.

في لجة دخان الحرب الكثيف أصبح الصرح العظيم للإذاعة والتلفزيون وكأنه يهتز فرقاً من مصير بقائه صامداً في مسرح العمليات القتالية التي تتناسب طردياً مع الخوف من السيناريو الأسوأ وهو أن يحترق هذا الصرح وسط نيران معركة شرسة تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما قد يؤدي لتدمير كنوزه وفقدان ما تحتويه مكتباته.
ليس بالأمر الجديد أن تكون الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون هدفاً لكل من أراد الانقلاب على الحكم، وكانت ساحة للعديد من المعارك في الانقلابات العسكرية إلا أن المعارك حولها في هذه الحرب أمتدت لأشهر، ومازالت الأسئلة حائرة بشأن مصير المكتبات والأرشيف الذي يتبع للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بعد هذه المعارك.

في مشوار البحث عن الاجابات ولملمة شتاتها تواصلت( SBC) مع عدد من الموظفين الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لمعرفة مصير التاريخ الصوتي والمرئي في كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية والتعليمية لمؤسسة وضعت بصمتها على مزاج الإنساني السوداني ووثقت علاقتها بمن في الريف والحضر، فأثرت عقله ودغدغت مشاعره لحوالي 84 عاماً.
يقول مبارك سعد متحدثاً لSBC عن المكونات التي تشكل منظومة الإعلام الذي يتبع للدولة السودانية إن هناك 7 إدارات في مدينة أمدرمان تتبع لوزارة الثقافة والإعلام وهي الاذاعة، التلفزيون، قناة النيل الازرق التي يشارك فيها التلفزيون بالأسهم، بالإضافة لقناة الخرطوم، المسرح القومى، هيئة البث، والفنون الشعبية. ويؤكد مبارك بأنها جميعها تقع فى مجال جغرافي واحد وكل إدارة منفصلة وقائمة بذاتها ولها مهامها المحددة وهيكلها الخاص وارشيفها الخاص.
ويضيف سعد إن الغموض يلف الأثر الذى ستخلفه الحرب الدائرة الآن على كل هذه الإدارت الإعلامية ال 7 من حيث المبانى والأجهزة والمعدات والوثائق والأرشيف بجميع انواعه سوى كان الورقي أو الإرث الضخم الموجود في مكتبة الإذاعة والتلفزيون والانتاج السينمائى.
وكشف سعد عن أن التلفزيون القومي يمتلك المكتبة البرامجية الخاصة به وهي تحتوي على حوالى( 25000 ) شريط بيتكام و( 21000 ) شريط ديجتال وشرائط 2 بوصة بكميات ضخمة وغير معروفة العدد لتخرينها السيئ. وقال إن الانتاج السينمائى يمتلك المكتبة الفلمية الخاصة به وتحتوي على (13000) فيلم ( 35 ملم و16 ملم neg\Pos ) وتحتوي مكتبة الإذاعة السودانية على تسجيلات صوتية تقدر بأكثر من (130000) ساعة. وأضاف أن قناة النيل الأزرق تمتلك مكتبة محدودة وتعتمد كثيراً في إنتاج برامجها على المواد الموجودة في مكتبة التلفزيون القومي. وقال أمين مكتبة التلفزيون إن الإدارات الإعلامية الأخرى لديها مكتبات وأرشيف ولكن لا توجد أي معلومات عنها حالياً. ووصف سعد أن الخسارة إن حدثت ستكون كارثية ولا يمكن تعويضها إذا ما تم تدمير الأرشيف والمكتبة، وقال حتى الآن لا توجد أي معلومة موثقة عن آثار التدمير أو التخريب الذى أصاب الأجهزة الإعلامية ومحتوياتها.

بشأن نسخ الأرشيف ووضعه في مكتبات القنوات التلفزيونية الولائية قال سعد إن الولايات التى بها قنوات تلفزيونية توجد فيها مكتبات صغيرة ومحدودة وتعتمد على التلفزيون القومي في الكثير من إنتاج برامجها، بل وتستعير منه المواد دائماً وأضاف قد يكون لها بعض الإنتاج المحلي ولكنه محدود ولا يقارن مطلقاً بالتاريخ الطويل أرشيفياً بمكتبة التلفزيون وأوضح سعد أن القنوات الخاصة لديها مكتبات إلا أن تاريخها قصير وأغلب أرشيفها ثقافى وفنى.
وفيما يتعلق بنسخ بعض الإعلاميين في التلفزيون والإذاعة للأرشيف كل وفقاً لاهتماماته قال سعد لا يوجد أفراد محددون لديهم أرشيف ولكن هناك بعض المهتمين أو الخبراء الإعلاميين لديهم بعض من الأرشيف المحدود جداً، والذي لا يعتمد عليه إلا فى برامج قليلة مقارنة بالخارطة البرامجية. وأوضح مبارك أن بعض الإدارات الحكومية لديها مكتبات وأرشيف فلمي لمواد متخصصة كالمؤسسات العسكرية أو الأكاديمية وبعض الشركات الخاصة وقال سعد بيد أنها مكتبات وأرشيف محدود ولا يشكل أية قيمة تاريخية كبيرة للسودان، وأضاف أن الأرشيف في التلفزيون والإذاعة يعتبر ذاكرة ضخمة تشمل كل المناشط والأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية منذ آواخر الفترة الاستعمارية وحتى نشوب الحرب الدائرة الآن.

بعض المعلومات تشير إلى أن أرشيف الإذاعة والتلفزيون يمكن إعادة جمعه من الأفراد إذا ما تعرضت مكتبتي الإذاعة والتلفزيون وأرشيفهما للخراب.
الإعلامية والمذيعة سعاد علي عبدالرازق الأمين الأسبق لمكتبة إذاعة كردفان في الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان تم انتدابها من وزارة الثقافة الاعلام الاتحادية من قسم المكتبات والأرشفة إلى إذاعة كردفان، وهي من الإعلاميات اللائي قمن بمبادرات شخصية ونسخن بعض مواد الأرشيف من إذاعة أمدرمان.
تقول سعاد في إفاداتها لSBC إنها جمعت كل مواد وأغاني إذاعة كردفان المبعثرة وقامت بأرشفتها ووضعت لها الأرقام المتسلسلة، وأوضحت أنها حينما احتاجت لبعض المواد التي تنقصها عادت إلى الخرطوم واستفادت من علاقاتها بالزملاء في إذاعة أمدرمان وقامت بنسخ مجموعة كبيرة من الأغنيات القديمة للفنانيين العملاقة أمثال محمد وردي ومحمد الأمين ونسخت بعض المسلسلات السودانية منها مسلسل الدهباية وبعض برامج المنوعات وغذت بها مكتبة إذاعة كردفان في الأبيض. وقالت سعاد إن عملية نسخ المواد من إذاعة أمدرمان ونقلها إلى الإذاعة في الأبيض خلقت نواة للمكتبة الصوتية هناك وأوضحت أن عدداً من الزملاء أيضاً قاموا بنسخ أرشيف المنوعات ومواد أخرى.

أمين المكتبة الصوتية في إذاعة أمدرمان وفاء الصادق قالت إن المكتبة الصوتية تضم أرث السودان وتراثه منذ نشأة الإذاعة في فترة الأربعينيات من القرن الماضي وأضافت إنها لا تملك أي معلومات عن المكتبة في فترة هذه الحرب.
ووفقاً لما نشرته صحيفة (السوداني) كشفت وفاء صديق قبل شهر وأيام معدودة من قيام الحرب في الاحتفال باليوم العالمي ل (الراديو) الذي نظمته نقابة الصحفيين السودانيين تحت شعار ( المكتبة الصوتية بإذاعة أمدرمان ذاكرة الأمة وجامعة تراثها) كشفت عن عدد من العقبات والتحديات التي تواجه المكتبة الصوتية، منها عدم توفر المواد اللازمة للمواد المكتبية، فيما لفتت إلى أن عوامل البيئة كالغبار ” أتلفت الشرائط”، داعيةً الجميع لدعم المكتبة لأنها تمثل إرث وتراث الشعب السوداني. ومن جانبه حذر نقيب الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، من زوال تراث الشعب السوداني الموجود بالإذاعة القومية، بسبب عدم حفظ هذا الإرث في ظروف ملائمة تحفظ ذاكرة الأمة. في ذات الاحتفال وعد ممثل مكتب “اليونسكو” بالسودان بابا جيانسس بتقديم الدعم لأرشيف الإذاعة السودانية. ويبدو أن الحرب قطعت الطريق أمام أي جهود تتعلق بحماية الإرث والتراث السوداني وتجاوزت الأرشيف مرحلة الحماية من الظروف الطبيعية والبيئة إلى ضرورة حمايته من فعل الإنسان.

وتحسر دكتور صديق كبلو الخبير في الاقتصاد والتنمية والديمقراطية في حديثه مع ( SBC) على فقدان الكوارد البشرية والذاكرة الموجودة بالمكتبية في المكتبات في الإذاعة والتلفزيون ودور العلم ودار الوثائق القومية ومكتبات الجامعات وقال أشعر بالحسرة على هذه الذاكرة والإرث السوداني، واصفاً لها ب” ذات القيمة الكبيرة جداً”، وأضاف فقدنا الكثير من الكوادر المؤهلة التي تعلمت وتدربت وتأهلت منهم من قتلوا في هذه الحرب ومنهم من مات بالذبحة القلبية وفي كل يوم نرى في وسائل التواصل الاجتماعي أن أحداً من البروفسيرات فقد روحه والآخرين إما تشردوا في أجزاء العالم المختلفة مهاجرين ولاجئين، أو أنهم في أماكن بعيدة عن أماكنهم التي عاشوا فيهاـ وأوضح كبلو بالقول ” نحن في حالة فقدان للكادر البشري وللأرث السوداني والتراث” ووصف كبلو فقدان المعرفة والعلم والارث ورأس المال الإنساني للخبرة والمعرفة بالتكلفة العالية ووقال إنها الخسارة لا تقدر بثمن.

نقابة الصحافيين السودانيين استشعرت الخطر الذي يتربص بالصرح التوثيقي ورأت أهمية حماية تأريخ السودان وحضارته فأصدرت بياناً في وقت سابق ناشدت فيه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) والمنظمات العاملة في مجال حفظ التراث المادي والإنساني، من أجل التدخل لدى الطرفين المتقاتلين لإنقاذ هذا الإرث الثقافي والسياسي والعلمي والاقتصادي وحمايته من الدمار الذي لم يرحم البنية التحتية. وحذرت نقابة الصحافيين في بيانها من المخاطر المحتملة والتي تهدد الإرث العظيم للسودانيين وقالت إنها تلقت معلومات تشير إلى اقتراب القتال بين القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع من مباني الإذاعة والتلفزيون. وأكدت النقابة في بيانها أنه وفقاً لشهادات موثقة ” يتم عرض أجهزة تخص الإذاعة السودانية للبيع في أسواق بمدينة أم درمان”.
وبحسب موقع وزارة الإعلام السودانية، نشأت الإذاعة السودانية في أول أبريل 1940 لخدمة الأهداف المستعمر البريطاني إبان الحرب العالمية للدعاية للحلفاء في حربهم مع دول المحور، وقبل أن تتوقف الإذاعة لإنتهاء مهمتها في الحرب تدخل مستر (ايفانس) وحصل على تصديق ميزانية الإذاعة من السلطات البريطانية في البلاد، وحينما جلست على كرسى الحكم أول حكومة وطنية في مارس 1954م بدأ المشوار الوطني للإذاعة من أجل السودان وحده وأخذت تؤدى رسالتها في تشكيل الوجدان السوداني وثبيت قواعد الاستقلال والصمود أمام العواصف ولعبت دوراً أدى لصيانة حق السودان في حريته وعزته. هذا التاريخ الطويل للإذاعة لم يشفع لها وظلت مهددة بالدمار في أية لحظة.
هناك صورة ظلامية ترسمها بعض المعلومات بشأن مصير الذاكرة السودانية التي تختزن تاريخه وإرثه وتراثه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والسينمائي والمسرحي في (الحيشان الثلاثة ) الإذاعة والتلفزيون والمسرح، وهناك تفاؤل يعطي الأمل في أن هذا الصرح الكبير قد يحظى بالرفق أو يتحدى الصعاب ويحتفظ بزينته التي تزين بها من أجل أجمل مافي تاريخ السودان، ويصمد بقوة أمام أصعب اللحظات أمام المصير المجهول للبلاد ولذاكرة الأمة وتاريخها وإرثها وحضارتها.