دنقلا : هبة عبد العظيم
بدأ المهندس المدني عادل عبد الفتاح (33) سنة حديثه بقوله: ” حقيقة لا أعرف إن كنت اتمنى وقف الحرب أو استمرارها حتى موت اخر مرتزق من الجنجويد “، و يمثل عادل الآف النازحين من الخرطوم إلى الولاية الشمالية الذين نزحوا بعد نشوب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 ابريل من العام الماضي 2023 . فمن ناحية عادل وممن اتفقوا معه في الرأي يريدون وقف الحرب حتى يعودوا إلى ديارهم وأعمالهم ومن ناحية أخرى يرغبون في أن تتكبد قوات الدعم السريع خسائر كبيرة حتى يشفى غليلهم ويستدرك عادل قائلا: ” عدلا وليس انتقاما ، جنود الدعم السريع سرقوا شقاء و وتعب عمر وجهد والدي و جهدي في تأثيث منزلنا ومحلنا التجاري بشارع الستين بالخرطوم أنهم اضرموا النار فيه”.
أما نور محمد (45) سنة أم لستة اطفال وتعمل معلمة بمدارس محلية جبل اولياء تتمنى أن تتوقف الحرب الآن حتى تعود لبيتها التي قالت إنه قد خلا تماما من أي شيء عقب السرقة والنهب الذي طالاه كما توقف راتبها نتيجة للحرب وكذلك راتب زوجها الموظف بمحلية جبل اولياء ، ورغم ذلك فهي تتمنى وقف الحرب وأن تعود إلى منزلها وتقول: ” ما اقسى أن تشارك أحد منزله لا صاحب المنزل مرتاح ولا الضيف يرتاح حتى وإن سكنت مع اخيك أو اختك ، دنقلا مدينة تكلفة المعيشة فيها باهظة للغاية، واصحاب البيوت يطلبون اسعار ايجار بالنسبة للشقق المفروشة لشقة من غرفة واحدة 20 الف جنيه للليلة الواحدة، لولا مساعدة اخي المغترب بدول الخليج لتوقفت حياتي “.
من ناحيتهم يرى الإخوة ( أحمد , محمد ، وعائشة) وهم طلاب جامعيين أن حياتهم تعطلت وأن مصيرهم مجهول وأنه حتى وإن توقفت الحرب هل يستطيعون العودة إلى جامعاتهم في القريب العاجل، أكبرهم وهو أحمد في السنة النهائية بكلية الطب لا يتمنى وقف الحرب بل هو مع الرأي القائل باستمرارها حتى آخر جندي في الدعم السريع ، ويضيف قائلا: ” الجامعة حددت موعدا للامتحانات في نهاية ديسمبر وحددت مراكز إلا أن اجتياح الدعم السريع لولاية الجزيرة تسبب في تعطيل الامتحانات مرة أخرى إلى أجل غير مسمى”.
أما هاشم بيومي (42) عام ، كان يعمل مقاول انشاءات بالخرطوم يقول إنه حاول العمل في دنقلا إلا أن مواطنيها يعاملون نازحي الخرطوم وكأنهم اجانب ويضيقون عليهم فرص العمل، يزيد بقوله: “أنا من أبناء مدينة دنقلا إلا أنني لم أجد عملا حتى الآن، الكل هنا يتعامل معك وكأنك ستقاسمه رزقه، اعول أسرتي بحد الكفاف، خالتي تعاني من الشلل النصفي و يفترض أن تتناول عدد من الأدوية، لم أتمكن من توفيرها لها منذ سبعة أشهر ولا ادري ماذا افعل”.
” أعيش في منزل منفصل ووضعنا المالي جيد نوعا ما، نمتلك مشروع زراعي يدر دخلا يغطي حاجاتنا، ولكن ما يؤرقني هو مستقبل اولادي ودراستهم، تعطيل العام الدراسي نتيجة الحرب يقلق مضاجعنا كاولياء أمور”، هكذا تعبر ماجدة محمد الأربعينية عن قلها على مستقبل أبناءها الدراسي .
من جانبه يرى عابدين نقد الله وهو من أبناء دنقلا ومقيم فيها أن نازحي الخرطوم حتى من أبناء المدينة يعتمدون بشكل كامل على تحويلات المغتربين، وحين سؤاله عن تضييقهم لفرص العمل على نازحي الخرطوم يقول عابدين مدافعاً: “غير صحيح، هم يختارون أعمال محددة ويعملون بها مثلا بعضهم أتى بسيارته ويفضلون العمل بها في المواصلات، لماذا لا يتجهون للزراعة هناك مساحات زراعية شاسعة لا تجد من يزرعها”.
وقالت مصادر قانونية مطلعة بمدينة دنقلا أن المحاكم بها شهدت ارتفاعا ملحوظا في قضايا الميراث عقب 15 اكتوبر 2023، وعزت المصادر في حديثها ل SBC ذلك إلى أن بعض سكان الخرطوم كانوا قد هجروا موطنهم الاصلي و لم يهتموا بأراضيهم وبيوتهم في دنقلا وقراها مما دفع بعض السكان المقيمين للإستيلاء عليها والتعامل معها وكأنها ملكهم، حتى بعد عودة أصحابها الأصليين رفضوا تسليمها لهم مما دفع المتظلمين إلى اللجوء إلى المحاكم لاسترداد حقوقهم.
ويقر أبو عبيدة الشيخ تاجر بسوق مدينة دنقلا بأن نازحي الخرطوم أسهموا بشكل كبير في زيادة الإستثمارات في المدينة التي شهدت إنتعاشا في النشاط الاقتصادي والأسواق وفقا للشيخ ، صاحب ذلك ارتفاع أسعار الإيجارات والعقارات وزيادة العمالة مع تقلص سوق العمل. وأيضا انتعش سوق مواد البناء والأثاث المنزلي.
وفي جولة ل SBC في مدينة دنقلا وأسواقها إلتقت بمحمد هشام وهو طالب جامعي يعمل في عربة طعام يقدم فيها ( ساندويتشات أقاشي ) يقول ل SBC “بحثت عن شغل ولم اجد ، لا يمكنني الاعتماد على الآخرين اتقاسم مع والدي مسؤولية اسرتنا، لا أخجل من عملي طالما هو عمل شريف”.
وانتشرت ظاهرة طلاب الجامعات وعملهم في المطاعم و عربات الطعام المعروفة با( الفوود ترك) وهي ظاهرة جديدة على المجتمع في دنقلا إلا أن طعامهم وجد رواجا. كذلك انتظم كثير من الشباب النازح من الخرطوم في أعمال البناء والإنشاءات وتوصيل الخدمات.
فيما اشتكى عدد من المواطنين من الانهيار التام للمرافق الصحية، وتقول هانم بسيوني ربة منزل: ” المستشفيات الحكومية تفوح منها رائحة الموت تعاني من دمار شامل في بيئتها من حيث النظافة وخاصة مستشفى دنقلا للولادة”.
أما الصيدلانية أفراح عثمان تقول إن هناك توفر نسبي في أدوية الأمراض المزمنة والأدوية المنقذة للحياة وبقية الأدوية ، وترجع ذلك إلى سهولة حركة التجارة مع الجارة مصر، إلا أن المواطن ابراهيم حسن ينتقد ارتفاع أسعار الدواء و عدم وجود ضوابط في توحيد سعر الدواء الذي يختلف من صيدلية لأخرى .
وكشفت جولة بسوق مدينة دنقلا عن ارتفاع سعر كيلو الطماطم الذي يصل
( 3000 ) جنيه وكذلك الخيار، ربع البصل قفز سعره من (4000)جنيه إلى (8000) جنيه ، وصل سعر كيلو البطاطس إلى (1500) جنيه يشاركه السعر كيلو الباذنجان ، أما كيلو الليمون فقد قفز من (500 ) جنيه للكيلو إلى (4000) جنيه ، كذلك الفلفل الرومي.
فيما وصل رطل الشاي إلى (8000 ) الف جنيه ورطل اللبن الحليب الى (400 ) جنيه و اللبن المجفف عبوة اثنين كيلو نصف بسعر (18000)جنيه وصفيحة الزيت سعة ( 18) رطل بسعر( 29000) جنيه ، و كيلو الأرز بسعر (1500 )جنيه وكذلك كيلو العدس .وجوال الدقيق زنة (25) كيلو بسعر( 13000) جنيه . وصابون البودرة للغسيل وصل سعر الجوال زنة عشرة كيلو الى (20000) جنيه .
أما كيلو اللحم فقد وصل إلى (6000) جنيه وكيلو الفراخ بسعر ( 6000) جنيه .
ويبلغ عدد مراكز الإيواء في الولاية الشمالية وفقا لوزارة التنمية الاجتماعية «76» مركزاً بجانب «106» مدرسة موزعة على عدد من المحليات.
ووفقا لمنظمة الهجرة الدولية في نشرتها الدورية الصادرة في السابع والعشرين من شهر ديسمبر 2023 والتي تشير إلى أن تقديرات النازحين داخلياً مؤخراً قد وصلت إلى ( 5,539,883 )فردًا و(1,102,332) أسرة ، وحسب النشرة فإنه قد تمت ملاحظة عدد حالات النازحين داخلياً في 6,089 موقعاً في جميع ولايات السودان الثمانية عشرة. وقال مكتب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بالسودان (أوتشا سودان) في نشرته في الخامس من يناير الجاري إن عدد النازحين في السودان قد ارتفع بنحو (500000) خلال شهر واحد، ويرجع ذلك أساسًا إلى النزوح الناجم عن الصراع من أجزاء من الجزيرة والولايات الأخرى. فيما اتبعت أسعار الحبوب في الأسواق الرئيسية بالسودان نمطًا مختلطًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 مقارنة بمستويات 2022، مع انخفاضات في بعضها وزيادات في البعض الآخر.


