القطاع الزراعي غير المتأثر بالحرب يمثل أولوية النهوض الاقتصادي
الفترة التي يحتاجها اقتصادنا للتعافي يتوقف على شكل فترة الاستقرار لما بعد الحرب
مع استمرار الحرب في البلاد، وما خلفته من دمار في البنيات العامة، وتراجع الإنتاج الصناعي والخدمي الذي شهد توقفا تاما في العاصمة وأماكن أخرى ، وألقى بظلال سالبة على الاقتصاد السودان، وضاعف المعاناة الإنسانية، فإن هناك خبراء يشيرون إلى أن التعافي الاقتصادي سيمثل تحديا كبيرا في حال توقف الحرب، وعودة الاستقرار للسودان بعد تسوية سياسية تنهي الحرب، وتؤسس لتكوين حكومة جديدة تطلع بامر البلاد.
وفي محاولة لمعرفة فرص مجابهة الحكومة السودانية لما بعد الحرب للتحديات المتمثلة في كيفية النهوض الاقتصادي أجرت (SMC) الحوار التالي مع الخبير الاقتصادي الدكتور أبو الحسن فرح لتلمس إمكانية تعافي الاقتصاد السوداني بعد فترة ما بعد الدائرة الآن بين الجيش والدعم السريع.
كيف تنظر د. أبو الحسن إلى إمكانية إعادة بناء الاقتصاد السوداني إذا توقفت الحرب، وإلى اي مدى يمكن التسريع في عجلة الإنتاج للمشاريع الزراعية والصناعية المتوقفة عن التنفيذ؟
(-)قبل الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد الحرب لا بد أن نتحدث عن حجم الخراب في هذه الفترة القصيرة، والأمر يتوقف على المدى الزمني لإيقاف الحرب، ونحن الآن في الشهر السابع للاقتتال حيث حدث خراب كبير في البنية الأساسية للبلد، والمصانع المنتجة بالذات في ولاية الخرطوم وقد وجدنا سبعين في المئة منها مملوكة للقطاع الخاص، وقد دُمرت تقريباً بالكامل، وبعضها ما بين الإيقاف والتخريب وتعطيل الآليات، وهناك نحو مليونان ونصف عامل وموظف متعطلون عن العمل، وتدريجيا فقدوا المرتبات بعد شهرين من قيام الحرب، بالإضافة إلى الأضرار المادية التي تشكل الحجم الكبير التي تواجه مسألة تحديات بناء الاقتصاد، إضافةً لهذا نجد التخريب في بنيات الكهرباء والماء والطرق والكباري التي تحطمت. هذا كله يحتاج لعمل كبير بعد توقف الحرب، ولحسن الحظ أن المشاريع الزراعية التي هي إما مطرية أو مروية خارج الخرطوم، وهي التي تحدد مسألة إعادة الدعم الاقتصادي بسرعة لأنها تشكل العمود الفقري لدعم الاقتصاد، فالمصانع تحتاج إلى إعادة تأهيل بشكل كبير، وسيتوقف هذا على المساعدات الخارجية والمنح. ومن اجل النهوض الاقتصادي للسودان هناك حاجة لأن ينعقد مؤتمر خاص للمانحين لمساعدة السودان، مثل مؤتمر نادي باريس الذي أعفى من ديون السودان بجدولة أربعة عشر ونصف مليار دولار مباشرة ثم هناك مشروع الدول الأكثر فقرا، وكانت مديونية السودان دخلت في نقطة الجدولة وكان مفترضا أنه بعد ستة شهور من حكم الانتقال أن تبدا ثمرة التنفيذ لثلاث سنوات تنتهي في ٢٠١٤، وهذا المشروع تعطل بالكامل، والناس بحاجة لعمل جدولة جديدة وقضايا أخرى متصلة به.
حقيقة الاقتصاد السوداني يحتاج لبرنامج إسعافي في الأول اعتباراً من سنة لسنتين، ويعتمد هذا على المنح، والقروض عبر مؤتمر. أما المشاريع الزراعية فممكن أن تبدأ تدريجيا وكانت هناك الخمسة وثلاثون ألف فدان المفترض زراعتها في الجزيرة عبر البنك الزراعي حيث يوفر مدخلات الإنتاج، ولكن توقف التنفيذ نتيجة لخلاف بين المشروع والبنك الزراعي نتيجة لشروط فرضتها إدارة البنك الزراعي على مشروع الجزيرة لصعوبة تنفيذها.
اعتقد أنه إذا ركز الناس على المشاريع الزراعية أو التعاونية أو إقامة مشاريع تعاونية جديدة صغيرة فممكن للسودان أن يسد فجوة اقتصاده بسرعة كبداية لتحسينه، وهناك تقديرات من البنك الدولي عن موضوع الانكماش في الاقتصاد السوداني الذي يتراوح بين ١٦ إلى ١٨ في المئة لعام ٢٠٢٣، وهذه أعلى نسبة وصل إليها السودان في تاريخه وبالتأكيد هناك مئة فرع من فروع البنوك السودانية نُهبت أرصدتها وتناقصت رؤوس أموال هذه البنوك وستتاكل مع نهاية هذه الحرب، ذلك لأن سبعة وثلاثين من البنوك العاملة في السودان لم تكن لها رأس المال الكافي وفقا لاتفاقية بازل الدولية حتى تكون لها القدرة على العمل والمنافسة، فبنوكنا المؤهلة لا تتجاوز أربعة أو خمسة أما غيرها فهي دكاكين للتمويل وكان مفترض أن تتم تعلية رؤوس أموال هذه البنوك وإلا تُدمج في بعض البنوك وتُصفى اختياريا، وهذا ما لم يتم نتيجة للانقلاب وهذه هي الأوعية التمويلية الداخلية للنهوض، ضف إلى هذا ما يواجهه بنك السودان من مشكلة في مراقبة الصادر، وعائدات الصادر، وقضايا كبرى وهناك ظروف الممولين الصعبة للغاية وهم يواجهون مطالبات عديدة، وكذلك تاثرت محاصيل الصادر لكنها محتاجة إلى معينات للنقل أو التخليص أو شكل إعفاءات ضرائب إنتاجية، وهذه لمحة سريعة لتحديات الاقتصاد السوداني بعد الحرب.
هل ترى هناك ضرورة لوضع أولويات في مسار الاقتصاد السوداني، وتقديم مجال إنتاجي على آخر لضمان سرعة التعافي إذا جاءت حكومة جادة تمتلك روية لمعالجة ما دمرته فترة الحرب؟
(-) البداية في عمليات الإصلاح الاقتصادي تعتمد على ترتيب الأولويات بحيث نبدأ بالقطاع الزراعي الأقل تأثراً في زمن الحرب، والأسهل في عملية الإنتاج لأنه لدينا الأرض جاهزة وموجودة، والمياه متوفرة ومع الزراعة المطرية إلى جانب المروية نفتح المجال لصغار المزارعين والجمعيات الاستهلاكية وعلى الدولة أن تهتم بهذا، وتوفر الوعاء التمويلي من الداخل أو الخارج لأن وزارة المالية كانت مقصرة مع البنك الزراعي ما أدى إلى وقف زراعة القمح، ولا بد من لجنة اقتصادية تشرف على التمويل للقطاع الزراعي بشكل مرتب متفق عليه مع الهيئات الدولية في الفاو والبنوك الدولية، والبنك الأفريقي للتنمية والبنك العربي الأفريقي، وبنك التنمية الإسلامي، وتسخير قدرات الناس للحصول على التمويل في الفترة القادمة. وهذا الامر لا يتعلق بايقاف الحرب فالآن يمكن الاهتمام بالموسم الصيفي لهذا العام ولا بد من الإعداد للموسمين القادمين بكافة الوسائل وتوفير المدخلات للإنتاج والبترول والآليات واستنفار الجمعيات التعاونية الزراعية، على ان كل هذا التصور للنهوض الاقتصادي يحتاج إلى حكومة قوية ووزراء مسؤولين للتركيز على القطاع الزراعي عبر برنامج متكامل لتوفير الغذاء لسد الفجوة الحادثة فيه في ظل ارتفاع الأسعار وضعف التموين الغذائي.
كخبير اقتصادي ومصرفي كم يحتاج السودان من الزمن لتوظيف موارده للنهوض الاقتصادي اذا حدث الاستقرار بعد الحرب؟
(-) الفترة التي يحتاجها اقتصادنا للنهوض يتوقف على شكل فترة الاستقرار لما بعد الحرب وتنمية علاقات السودان الإقليمية والدولية وعلاقاته مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول المانحة والصناديق الاخرى، ومعرفة شكل إعادة جدولة الديون وحجم المنح المتشكلة لمساعدة الاقتصاد، وتسهيل سبل السودان للحصول على القروض من البنوك الدولية بما يكفي. فالخروج من اقتصاد الحرب يتطلب عقد مؤتمر للمانحين لمساعدة السودان وهذه الإجراءات تحدد مدة التعافي الاقتصادي لأن كل ما نستطيع عمله هو إنجاز برنامج من عامين للبدء من الصفر للحفاظ على مستويات التضخم الحادثة، والتحكم عليه، وتفادي الانهيار في نسبة الانكماش. والمشكلة الكبيرة التي تواجه السودان في الفترة القادمة هي كيفية توفر أوعية التمويل المحلية عبر البنوك السودانية، وهذا موضوع له علاقة بتأهل هذه البنوك حتى توفر أنواعا من القروض للمصانع والشركات التي تحتاج إلى إعادة صيانة في الفترة لتكون مستعدة للعمل وتحفيز عمالها للعودة والدخول في العملية الإنتاجية، ونحتاج من اجل التعافي الاقتصادي لسياسات تمويلية بسقوف مختلفة، ونحتاج أيضاً من الحكومة ان تخفف من الضرائب على مدخلات الإنتاج وإيقاف الجبايات التي تواجه حركة البضائع في الاستيراد أو التصدير.


