عن عمر ناهز الثمانية وسبعين عاماً رحل الفنان محمد ميرغني يوم الثلاثاء، وشُيع عبر موكب مهيب إلى مثواه الأخير في مقابر مدينة واد مدني حاضرة ولاية الجزيرة. وكان الراحل قد مكث فترة قصيرة تحت عناية الأطباء بمستشفى الشرطة بمدني لتلقي العلاج.
رئيس اتحاد المهن الموسيقية نجم الدين الفاضل أصدر بيانا نعى فيه الراحل جاء فيه أن “محمد ميرغني أحد المساهمين في وجدان الذوق السوداني بعلمه وفنه وهو من الجيل الذي شدا بأعذب الكلمات..ونحن ننعيه اليوم بعد رحيله في مدينة ودمدني بعد علة لم تمهله طويلا، ونحن على يقين ان كل مدن السودان اليوم تفتقد هذا الإنسان والصوت الطروب والذي عاش مخلصا للفن الجميل، مستمداً من مهنة التدريس الحق والجمال والفضيلة، والأستاذ الفنان محمد ميرغني ظل مدواما كل زملاء مهنة الموسيقي والفن والرياضة والإعلام، مجاملا في الأفراح والأتراح، واتخذ من مهنته جمال العاطفة والشوق للإنسان والوطن..اليوم وباسم الاتحاد فنانين وموسيقين وشعراء نعزي الشعب السوداني وأنفسنا في هذا الفقد الجلل“.
تقول سيرته المنشورة في موقع الويكيبيديا إن اسمه هو ميرغني محمد أبن عوف مجذوب. وولد بحي السيد المكي بأمدرمان سنة 1945م، وبدأ دراسته الأولية بمدرسة شيخ أمين بجوار سينما الوطنية بالخرطوم بحري وأكمل تعليمه بمدارس الأحفاد بأمدرمان ومعهد التربية بشندي والذي تخرج منه مدرسًا، ومارس مهنة التدريس، وتردد على عدد من المدارس حتى بلوغه سن المعاش سنة 2008م، أنا والأشواق للشاعر السر دوليب هي أول اغنياته الخاصة من ألحان حسن بابكر. وقد أجيز بها صوته سنة 1965م في الإذاعة السودانية له أكثر من 200 أغنية خاصة للشعراء إسماعيل حسن ـ السر دوليب ـ السر قدوور ـ وفضل الله محمد وعمر محمود خالد وسعد الدين إبراهيم وكامل عبد الماجد وحدربي محمد سعيد ومحمد أحمد سوركتي صلاح محمد إبراهيم ومصطفى سند وعثمان خالد وصلاح حاج سعيد والتيجاني الحاج موسى وغيرهم. محمد ميرغنى أخ غير شقيق من ناحية الأم للشاعر والأديب السودانى الدبلوماسي محمد المكي إبراهيم .
تأهل الفنان الراحل معلماً من خلال انضمامه لمعهد التربية في شندي، وخدم في هذا المجال زهاء الأربعين عاما ووصل إلى أعلى المراتب القيادية في وزارة التربية والتعليم. زميله في التعليم الفنان الطيب عبدالله رثاه فقال: “رفيق الدرب بكلية التربية شندي.. ورفيق الحرف والنغم بإذاعتنا الرؤوَم امدرمان .. وهكدا يتداعى السودان..إنسانا وفنا.. وأدبا ..وعمرانا وتاريخا.. ويتساقط كل ما هو جميل فيه من مبدعين.. كتساقط أوراق الشجر في موسم الخريف. فليس لنا سوى أن نقول.. الحمدلله.. ولك يارفيق الدرب.. بكل (حنيني اليك) أقول العين تدمع وأنا يا ميرغني.. بكل وجع الدنيا لفراقك لمحزونون“.
الموسيقار الدكتور الماحي سليمان أشار إلى أن رحيل الفنان محمد ميرغني يعد “فقداً أليماً وحزينا..تقبله الله القبول الحسن.. وهكذا أغلقت مدرسة أخرى من مدارس الفن الأصيل الراقي الملتزم بكل الصفات الأخلاقية الحميدة..والقدرات الفنية المتقدمة والحرفية العالية لفن الغناء فقد استطاع محمد ميرغي نشر أقوى وأجمل أساليب الأداء الغنائي بصوته النادر ..”.
بدايات محمد ميرغني كانت من صنع الصدف، حيث يحكي الكاتب د. حسن الجزولي بقوله: “ولما كان بعض من المطربين السودانيين يزاوجون ما بين “الكفر والوتر” كما يقولون، فقد شاءت الصدف أن يستمع إليه كامل صالح رئيس نادي الأمير البحراوي الذي كان مطربنا يلعب له، عندما درج مع بعض أعضاء الفريق على اللقاء في أمسيات النادي ليدندنوا ببعض الأغنيات تزجية للوقت، فانتبه رئيس ناديه لطبقات صوته الرخيمة، لاسيما وأن كامل صالح هو الابن الأكبر للشاعر أبو صلاح!، فأعجب بصوته وأدائه، وظل يدفعه ويشجعه لكي يتقدم للاذاعة من أجل إجازة صوته”.
ويعد الراحل من ممارسي كرة القدم في شبابه حيث كان لاعبا مميزا بالأمير البحراوي، كما شغل منصب مدير إحدى إذاعات الاف ام، وكذلك هو من خريجي معهد الموسيقى والمسرح من دفعة 1969 حيث زامل الملحنين محمد سراج الدين وعلي ميرغني والماحي سليمان، بجانب الفنان عثمان مصطفى.
استند الراحل في تجربته في التعاون مع ملحنين كثر، منهم العاقب محمد حسن ومحمد سراج الدين وعبدالله عربي ولحن له الشاعر التيجاني حاج موسى من كلماته الريدة، وحلو العيون. ولكن محمد ميرغني خلق ثنائية مثمرة مع الموسيقار حسن بابكر، والذي لحن له أكثر من سبعة وثلاثين عملا من بينهم لو قدرت تغيب علي وأحلى ما في الدنيا ويدنا وحالك باهي واشتقت ليك وما بتقدر تتوب ولا بتفاصيل لا بتواصلي ووردة هواك وحنان الدنيا وغريب ولو قدرت تغيب علي ولا الصابر ولا الباكي ومين فكرك وعشان خاطرنا وسهمك الفتاك وعيونك ديل وباقة أخرى من الأعمال.
برحيل محمد ميرغني تكون الأغنية السودانية الحديثة قد فقدت صوتاً فريداً من أصواتها التي شغلت السودانيين لمدى ستين عاماً. إذ ظل الفنان الراحل من أكثر المجددين حرصاً على الحضور الدائم في المشهد الفني دون أن يتخلى عن مهنته الثانية، حيث ارتبط بدور التعليم مدرسا للأجيال وموجهاً تربوياً لم يفارق المجال إلا قبل سنوات قليله من وفاته. وسيتذكره جمهوره بأدائه المميز الذي يجعله دائماً غارقاً في موجات اللحن إجادة، ومعايشة، وتبتلا.


