SBC: واشنطن
تراجعت الأسواق المالية العالمية بشكل حاد يوم الجمعة بعد أن ردّت الصين بالمثل على زيادة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، مما أدى إلى تصعيد الحرب التجارية بين البلدين. ولم يكن التقرير الإيجابي غير المتوقع عن سوق العمل الأمريكي، الذي يُعتبر عادةً الحدث الاقتصادي الأبرز كل شهر، كافيًا لوقف الانخفاضات الحادة.
شهد مؤشر S&P 500 تراجعًا بنسبة 4.8% في تعاملات بعد الظهر، بعد أن هبط في وقت سابق بأكثر من 5%، مسجلًا أسوأ أداء يومي له منذ الأزمة التي تسبب فيها تفشي فيروس كوفيد-19 عام 2020. كما انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 1,719 نقطة أو بنسبة 4.3%، بينما فقد مؤشر ناسداك ما نسبته 4.9% من قيمته. وتأثرت الأسواق العالمية بصورة عامة، حيث تكبدت الأسهم الأوروبية خسائر كبيرة تجاوزت 4%، كما هبطت أسعار النفط الخام إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2021، وتراجعت أسعار السلع الأساسية مثل النحاس وسط مخاوف متزايدة من أن تؤدي الحرب التجارية إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي.
جاءت هذه التراجعات في أعقاب إعلان وزارة التجارة الصينية عن فرض تعريفات بنسبة 34% على جميع الواردات الأمريكية بدءًا من 10 أبريل، ردًا على الإجراءات الأمريكية التي فرضت رسومًا جمركية مماثلة على السلع الصينية. وتصاعدت المخاوف من تأثير هذه الإجراءات على الاقتصاد العالمي، لا سيما أن الولايات المتحدة والصين تمثلان أكبر اقتصادين في العالم.
ورغم أن الأسواق تعافت جزئيًا عقب صدور تقرير الوظائف الأمريكي الذي أظهر نموًا في معدلات التوظيف فاق التوقعات، إلا أن القلق ما زال يسيطر على المستثمرين بشأن تداعيات النزاع التجاري على الاقتصاد في المستقبل القريب. ويرى المحللون أن المخاطر الاقتصادية أصبحت أكثر تعقيدًا، حيث قال ريك ريدر، كبير مسؤولي الاستثمار في بلاك روك، إن “العالم تغير، والظروف الاقتصادية تغيرت”، مشيرًا إلى أن الأسواق تترقب مدى تأثير الحرب التجارية على مسار الاقتصاد العالمي.
وتثار التساؤلات حاليًا حول ما إذا كانت هذه التوترات ستؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي، وهو ما قد يدفع أسعار الأسهم إلى مزيد من التراجع. وتشير البيانات إلى أن مؤشر S&P 500 فقد بالفعل نحو 16% من قيمته منذ بلوغه مستوى قياسي في فبراير الماضي. ورغم ذلك، لا يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدي قلقًا إزاء التطورات الأخيرة، حيث كتب عبر منصته “Truth Social” بعد توجهه إلى ملعب الجولف في مار-إيه-لاجو: “هذا وقت رائع لتحقيق الثراء!”.
ويتوقف الكثير من مسار الأسواق خلال الفترة المقبلة على المدى الزمني الذي ستستغرقه الحرب التجارية، وردود الفعل الدولية تجاه الإجراءات الأمريكية. ويراهن بعض المحللين في وول ستريت على احتمال أن يقوم ترامب في نهاية المطاف بتخفيف الرسوم الجمركية إذا تمكن من تحقيق بعض المكاسب السياسية والاقتصادية من خلال المفاوضات. ولكن في حال استمرت الحرب التجارية دون حلول وسط، فإن احتمال الركود يبدو أكثر ترجيحًا.
وكان ترامب قد أقرّ في تصريحات سابقة بأن المواطنين الأمريكيين قد يشعرون ببعض التأثيرات السلبية نتيجة التعريفات الجمركية، لكنه اعتبر أن الأهداف الاستراتيجية لهذه السياسات، مثل استعادة الوظائف الصناعية إلى الولايات المتحدة، تستحق التضحية على المدى الطويل. وقارن ترامب الوضع الحالي بعملية جراحية مؤلمة لكنها ضرورية للاقتصاد الأمريكي.
أما الأسواق، فقد شهدت خسائر واسعة النطاق، خاصة بين الشركات الأمريكية التي تعتمد بشكل كبير على السوق الصينية. وتراجعت أسهم شركة DuPont بنسبة 11.2% بعد أن أعلنت الصين عن فتح تحقيق لمكافحة الاحتكار ضد فرعها في البلاد، في خطوة فسرت على أنها رد انتقامي على السياسات الأمريكية. كما شهدت أسهم GE Healthcare، التي تحقق 12.3% من إيراداتها من السوق الصينية، انخفاضًا بنسبة 12.7%.
وفي سوق السندات، استمرت عوائد سندات الخزانة الأمريكية في الانخفاض، ما يعكس تزايد قلق المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد الأمريكي. فقد تراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 3.95% بعد أن كان عند 4.06% في اليوم السابق، مقارنةً بمستوى 4.80% الذي سجله في بداية العام. ويُعد هذا الانخفاض إشارة على زيادة الطلب على الأصول الآمنة وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وفي ظل تصاعد التوترات، يترقب المستثمرون تحركات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث تشير التوقعات إلى أن المجلس قد يلجأ إلى خفض سعر الفائدة الرئيسي لتخفيف الضغوط على الاقتصاد، كما فعل في أواخر العام الماضي قبل أن يوقف هذه السياسة في 2025. لكن رئيس المجلس جيروم باول حذر في تصريحات مكتوبة ألقاها في أرلينغتون، فرجينيا، من أن فرض المزيد من التعريفات الجمركية قد يؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم، وهو ما قد يكون أشد ضررًا من التضخم نفسه لأنه قد يؤدي إلى دورة تضخمية يصعب السيطرة عليها. وأكد باول أن “التزامنا هو إبقاء توقعات التضخم على المدى الطويل مستقرة، وضمان أن أي زيادة لمرة واحدة في الأسعار لا تتحول إلى مشكلة تضخم مستدامة”، في إشارة إلى احتمال تردد المجلس في خفض أسعار الفائدة.
وعلى الصعيد العالمي، شهدت الأسواق المالية خسائر ملحوظة، حيث انخفض مؤشر DAX الألماني بنسبة 5%، وتراجع مؤشر CAC 40 الفرنسي بنسبة 4.3%، بينما فقد مؤشر نيكي الياباني 2.8% من قيمته. وتترقب الأوساط الاقتصادية كيفية تطور المفاوضات التجارية، في ظل جهود بعض الدول، مثل فيتنام، التي أعلنت عن زيارة نائب رئيس وزرائها إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات تجارية، بينما تعهد رئيس المفوضية الأوروبية بمقاومة الإجراءات الأمريكية.
وفيما تستمر الأسواق في حالة من التقلب، تبقى الأنظار موجهة نحو البيت الأبيض وردود الفعل الدولية على هذه السياسات، وسط تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل تداعيات الحرب التجارية المتصاعدة.


