الماحي سليمان: نعاني من التلوث الموسيقي لاعمالنا والذي ترافق مع نهوض العولمة
يوسف الموصلي: هناك ملحنون شباب مميزون جداً، ولكن يفتقدون مقومات الجودة في الإنتاج
إبراهيم سوناتا: غناؤنا زاخر بالكثير من الاقطاب الفنية والشعر برغم ما أصابه من محاولات ذبول وإسفاف
ظلت الأغنية السودانية منذ نشأة تجاربها الباكرة التأسيسية في العشرية الأولى من القرن الماضي تسير باضطراد نحو التحديث في كل فترات تطور المجتمع، وبهذا المستوى تعددت أساليبها النغمية، ومدارسها الشعرية، وتنوع التجديد في قالبها الاوركسترالي ومضمونها الوطني، وأشكالها الإيقاعية التي عبرت عن موروثات البيئة السودانية. فضلاً عن ذلك وجدت الأغنية السودانية انتشاراً كبيراً على مستوى دول الجوار، لكونها زاخرة بأنغام وإيقاعات دافقة لاقت صدى لدى المجتمع الأفريقي عبر الحزام السوداني، والقرن الأفريقي. ولكن بعض النقاد يشيرون إلى تراجع التحديث في العمل الغنائي السوداني ما أدى إلى ضعف الألحان قياساً بالفترات السابقة، وقلة الأصوات المتميزة التي تملك مشاريع إبداعية، وهبوط في مستوى التناول الشعري، وغياب التوزيع الموسيقي المعلمن.
(SBC) تسعى من خلال هذا الملف الى فتح ملف الغناء السوداني ومعرفة التحديات التي تجابه المبدعين فيه لدواعي تطويره والنهوض به كملمح ثقافي لعب دورا في البناء الوطني والتعبير عن جانب من الهوية السودانية:
إشراقات لحنية..لكنها بحاجة لدعم لوجستي

الموسيقار الماحي سليمان يقول ان كلمة تدهور لا تتناسب مع واقع اللحن السوداني كما يشير كثيرون، وانما “لدينا موسيقى جميلة ولكنها تلوثت ببعض الظواهر الدخيلة على الموسيقى مثل ظاهرة “البوب ميوزيك” التي اكتسحت العالم بالتزامن مع مثول العولمة، حيث كانت الموسيقى تسير في حركتها الطبيعية منذ عصر النهضة والذي جاء بعده الكلاسيكي والرومانتيكي والانطباعية والمدارس الحديثة..هذا الانفجار الضخم المترافق مع العولمة قابله ظهور الاف القنوات الفضائية والاف محطات الاف ام الخاصة بالموسيقى، وبالتالي صبحت الموسيقى الاهداف الرئيسية لنشر موسيقى البوب التي حلت محل الكلاسيكيات التي تعودنا عليها عبدُ الوهاب وام كلثوم وحليم ووردي وكابلي عثمان حسين والرواد”
ويضيف الملحن الماحي الذي الف عشرات الاغنيات ان “البوب ميوزيك” بشكلها الجديد مقصود لنشر اسلوب تنميطي لينعكس في الثقافة السمعية والتذوقية وهو هدف لتحقيق العولمة الموسيقية بمفاهيمها السياسية والاقتصادية وقد انتشر هذا التحول الفني في كل المجتمعات حول العالم واثر على منطقة الشرق الاوسط والدرل العربية والسودان، واصبح الشباب من عشاق هذا الغناء الخفيف الراقص والمشحون بالتسلية لانه يعتمد على الارتجال والتنويع والايقاعات القوية مع الرقص”.

الموسيقار يوسف الموصلي يقول إن هناك ملحنين شباب خطرين جداً، لكن أعمالهم لا تجد طريقها إلى الشهرة لأسباب كثيرة أجملها في أنهم لا يملكون أدوات إنتاج بجودة نظيفة لنشره في وسائط التواصل الاجتماعي ناهيك عن العرض عبر القنوات الفضائية” وأضاف الموصلي أن هذا الفقر في الإنتاج الفني يطرح تحديات صعبة جداً على الجيل الجديد و”أنا شخصيا أعاني منه..وساعادتني جهات لمواصلة ضخ الانتاج بهدف غزو السوق بأعمال رفيعة لكن عموماً الشباب المبدعين موجودين”.

أما الموسيقار إبراهيم سوناتا فيرى أن هنالك عدة أسباب تضافرت لجعل هذا التدني ممكناً، وواضحاً في مجال الألحان والأشعار، ولكنه ليس قطعياً لأن هناك إشراقات كثيرة جدا في عالم الفن، والشعر، لا تزال تتحف الوطن الغالي بالنفيس من الدرر، وهنالك شخصيات فنية غنائية يشار لهم بالبنان، ولا يزالون يرفدون الساحة الفنية والشعرية، بالكثير من الإبداعات.. أقول إن مسببات الهبوط والابتذال كانت كثيرة وهي كانت دائما محبطة بنا من كل صوب، وطبعا أكبر كوارث والتي أحاطت ودمرت كل شيء في الوطن كان هم النظام الحاكم والذي أعلن بأنه سيُغير كل شيء ولكنه دمر كل شيء!!! وحتي البشر والأرض والحرث خلال الثلاثين سنة الماضية، فاول ما بدأ النظام بتدميره كان هو (الفن) فقد بذل النظام جهدا كبيرا في توتير عجلة الفن ووضع العراقيل حوله بل ومحاولة إيقاف عجلته تماما، وذلك باعتقال الفنانين وجلدهم وسجنهم. وإجراء إختبارات السكر والمخدرات عليهم، بطريقة بشعة لاترقي لمستوى الفن الذي يقدمونه، ومن ثم وعبر محاولة أخري، تم تأليف وإصطناع فنانين من لديهم ومدهم بكل المعدات الفنية كآلات الأورغن والساوند سيستم وغيرها، كل ذلك كان محاولة لإحلال فن رسالي جديد يدعوا لاتباع طريقهم، ولم يكن يدرون أن الفن الرسالي كان موجودا، مجموعة من الملحنين والذين غيب الموت علينا الكثير منهم، ولكنهم يظلون رغم ذلك في الوجدان، ولاننكر”.
السياسة والاقتصاد..ومردودهما على العملية الفنية
الدكتور الماحي سليمان، وهو الأستاذ السابق في معهد الموسيقى والمسرح يرى انه ظهرت هذه الاعداد المهولة من الفنانين والفنانات ووجدوا في هذا النوع الجديد من التاليف الموسيقي المتاثر بالبوب ميوزيك ضالتهم للكسب المادي السهل ولا ننسى ان ما يسمى القونات مارسوا هذا النوع حتى في الدول التي نزحوا اليها.
ويقول الماحي ان “ظاهرة البوب ميوزيك التي اثرت على الشباب جاءت في وقت وجدنا الموسيقى مستضعفة في السودان خاصة مع ظهور التيارات المتشددة التي ترى ان الموسيقى حرام وفي هذه الفترة واجه الفن تحديات صعبة وشهدنا كثيرا من الممارسات السالبة في ظل غياب تيارات مستنيرة تغذي طاقة الفنان..هذا التيار الموسيقي الجديد سيستمر بحكم الواقع المعاصر ونعرف ان الواقع الاجتماعي يناسبه في كل دورة زمانية موسيقى محددة تكشف عن حقيقته..وللاسف هناك غياب للتعليم الموسيقي المنظم في المراحل التعليمية المختلفة والمهرجانات والمنافسات النوعية في التاليف والعزف على الالات الموسيقية، لقد اهملنا التراث الموسيقي وتطويره وتقديمه للعالم في ابهى صوره..هذا التلوث يؤخرنا كثيرا ولكن ستظل الهوية الموسيقية راسخة لاننا اصحاب حضارة ضاربة في القدم وسيظل سلمنا الخماسي هويتنا وما يحدث الان في المشهد الموسيقي ليس سوى فترات زمانية محكومة بالفشل ونتمنى ازدهار موسيقانا عبر التجارب الجادة لعدد من الشباب الذي لا يجد فرصة للظهور في ظل تكاثر الغث في ادوات التواصل الاجتماعي”.
ويعود الفنان الموصلي للقول إن هناك أسباباً أخرى لا تتيح وجود أعمال أرقى نتيجة للمستوى الاجتماعي الفني الذي أفرزه واقع البلد حيث تدهور اقتصاد فأنتج فنا متدهوراً، وثقافة متدهورة في الشارع..وكان المستمعون يبحثون عن متنفس، وليس تذوق، وهذا هو الفرق بين زمن هذا الجيل وزمن زمن العمالقة حيث كانت الناس مستقرة اقتصاديا، وليس لديها مشكلة معيشة وعلاقاتهم الاجتماعية مميزة حينذاك..وكانوا يسمعون أعمالًا تليق بمستوى المجتمع..لكن في الفترة الأخيرة حدث كما قلت انهيار في الاقتصاد، وساهمت الديكتاتورية الأخيرة وما قبلها، وتفشت المخدرات.. ولكن ما يزال هناك أمل، وشباب ممتازون جداً، مستمعون، وذواقون للفن، بدليل أن آخر عمل قدمته وجد نسبة استماع عالية من الشباب..السودان أرض لم تنضب..وشبابه متعلمون ويحتاجون لجودة في إنتاج أعمالهم ليصلوا إلى العالمية، ونكون مميزين بفننا”.
سوناتا ذكرا انه كان هناك ملحنون جيدون امثال الراحل برعي دفع الله، وعبد اللطيف خضر، وأحمد زاهر، وإسماعيل عبدالمعين وعبد الماجد خليفة وموسي محمد إبراهيم، وجمعة جابر، وغيرهم، ولكن ايضا نقول انه برغم كل ذلك التضييق علي الفن والفنانيين طيلة الثلاثين سنة الماضية، فالمشروع الفني الحديث في الموسيقي السودانية، لم ولن يتوقف ولن نزلوا جهدا في مواصلة هذا المشروع وحتي النهاية، وبرغم تلك الصعاب والكوارث فلايزال الفن السوداني، يزخر بالكثير من الاقطاب الفنية والشعرية المجتهدة المثابرة والإشراقات الفنية الجادة، برغم ما صاب الأغنية السودانية من، ذبول وهبوط وإسفاف، وأصوات مخنثة ونشاذ غمر الساحة الفنية لسنين عديدة، ولكن كان للتضييق الإعلامي من خلال النظام دورا كبيرا في ذلك التدني والإنحطاط”
ويوضح سوناتا بالقول إنه لا يزال المبدعون يروفدون الساحة الفنية حتي الآن بالأعمال الفنية الرائعة، ولاشك أيضا أن السودان موعود بالكثير المثير الرائع من الإبداع الفني واللحني والشعري الأنيق، أيضا هنالك دور كبير في تفعيل عمل إتحاد الفنانين السودانين والتي لابد أن تعود إلي نقابة الفنانين، وذلك لتستطيع تنظيم وترتيب العمل الموسيقي عموما من تنظيم لشكل وإجازة الأصوات وأيضا المصنفنات الشعرية والأدبية، وآلية إجازة الأصوات الجديدة بحذق وعناية كما كان في السابق، وطبعا أيضا أثر في عمل إتحاد الفنانين العمل السياسي والذي أفسد كثيرا من الأشياء الفنية. وعموما في مقبل السنوات القادمة وبعد أن تضع هذه الحرب أوزارها، ويعم السلام كل ربوع السودان وتعود الطيور المهاجرة إلي أوطانها عزيزة مكرمة.


