مشادات في مجلس الأمن.. هل خرج الحارث عن الكياسة الدبلوماسية؟

يشارك

اقرأ أيضا

SBC

أثار انكار مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث ادريس الحارث، للانقلاب العسكري، ردوداً غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث قال في مؤتمر صحفي، عقب مشاركته في جلسة لمجلس الأمن بنيويورك إنه لم يكن هناك انقلاب عسكري وأن الحكومة الانتقالية قدمت استقالتها ولم تتم إقالتها، مشدداً على عدم وجود حكم عسكري في السودان.

جاء حديثه رداً على طلب تعليق من صحفية على وصف مندوب الإمارات، محمود أبو شهاب له، بأنه يمثل الجيش السوداني أحد طرفي الصراع.

وادعى في سياق حديثه بأن الحكومة التي يمثلها كفلت حق التظاهر السلمي بعد الانقلاب وحتى أثناء الحرب دون ذكر سقوط عشرات القتلى بنيران الأجهزة الأمنية عقب الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021.

انتهازية
علق القيادي في المؤتمر السوداني، مهدي رابح على حديث إدريس بأنه محاولة تشبث بالوظيفة، ووصفه رابح بتمثيل سلطة غير شرعية ما يجعله يردد ما يريد الجنرالات وعناصر المؤتمر الوطني التي تسيطر على حكومة بورتسودان سماعه، على حد تعبيره.

وقال رابح في تصريحات ل(SBC) إن وظيفة السفير الحارث إدريس ستتأثر سلباً حال تبنى لغة دبلوماسية رفيعة، مشدداً على أن ارتفاع الخطاب التضليلي والتحشيدي الداعي لاستمرار الحرب يعبر عن ما وصل إليه حال السودان بعد حرب الجنرالات “برهان وحميدتي” التي تدمر البلاد.
وحول ارتباط إدريس بقوى الثورة حيث تم إعادته للخدمة خلال الفترة الانتقالية؛ قال القيادي بالمؤتمر السوداني إنه ليس أول شخص يختار مصالحه الآنية الضيقة “كثيرون سقطوا وتنازلوا عن مبادئهم وتاريخهم النضالي”.

ووفق رابح هناك مجموعات من الانتهازيين من المثقفين الذين يعود إليهم تشكيل تاريخ السودان وواقعه من المتماهين مع الحكومات الديكتاتورية الذين تم شراء ولائهم بالمصالح المادية.
“نحن بحاجة لمؤرخ شجاع يسرد تاريخ الانتهازيين الذين أثروا على تاريخ السودان”!

مهدي رابح

العودة إلى السلك الدبلوماسي
وعاد إدريس للسلك الدبلوماسي السوداني بعد الثورة، حيث تمت إعادته ضمن 10 آخرين من مفصولي حكومة البشير في درجة سفراء في فبراير 2020 لكن مصدراً دبلوماسياً أكد أنه لم يتسلم أي مهام لجهة اعتذاره بظروف صحية.

وعلى الرغم من ترشيح وزيرة خارجية الفترة الانتقالية، مريم الصادق له لاستلام منصب مندوب السودان لدى الأمم المتحدة؛ إلا أنه لم يقدم أوراق اعتماده ويقبل المنصب إلا بعد الانقلاب العسكري في 23 مايو 2022 وفق وكالة السودان للأنباء.

وكان إدريس أحيل للصالح العام في عهد حكومة المخلوع عمر البشير في نوفمبر من العام 1989 حيث كان دبلوماسياً بدرجة سكرتير ثانٍ وآخر محطاته كانت في اليونان، قدم بعدها طلب لجوء إلى بريطانيا التي مكث فيها حتى توليه منصب المندوب الدائم لحكومة السودان بالأمم المتحدة.

وقطع مصدر دبلوماسي تحدث ل(SBC) مفضلاً حجب اسمه، بامتناع سفيرين فقط من الذين تمت إعادتهم للسلك الدبلوماسي بعد الثورة عن التوقيع في مذكرة الدبلوماسيين الرافضين للانقلاب العسكري، وهما الحارث إدريس الحارث وعبد الرحمن شرفي سفير السودان لدى الإمارات.

الجدير بالذكر أن السفير الحارث إدريس ما يزال عضواً في حزب الأمة القومي، وفي السياق قطع قيادي بارز في الحزب بأنه لم يتم اختيار الحارث من قبل الحزب لهذا المنصب مؤكداً بعدم ترحيب الأمة القومي بوجوده في هذا المنصب.

لغة تجافي الدبلوماسية
الجدال الذي دار في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 19 يونيو بين مندوبي السودان والإمارات أثار ردود فعل كبيرة حول المراشقات التي تمت بين الطرفين. ففي الوقت الذي اتهم ممثل السودان الحارث إدريس دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وصف ممثل الإمارات الإتهامات ب”السخيفة”!
وقال الدبلوماسي والمحلل السياسي الصادق المقلي إن ممثل السودان من حقه تقديم شكوى ضد أي دولة يعتبرها تمس سيادة السودان وتتدخل في شؤونه لكنه انتقد في ذات الوقت أسلوب تعبير إدريس مشيراً لأنها طريقة غير معهودة في مخاطبة مجلس الأمن.
وقال المقلي ل(SBC) إن لغة جسد سفير السودان تناسب التجمعات السياسية أو البرلمانات معرباً عن خوفه من أن تؤدي طريقته لهزيمة القضية.
وأشار الخبير الدبلوماسي إلى أن سرد مندوب السودان لأفضال على الإمارات جانبه التوفيق ففي حالة العلاقات الطبيعية بين كافة الدول يكون هناك تبادل للمصالح في إطار هذه العلاقات.

وقطع المقلي بأن الحديث عن أفضال تجاه الإمارات يعتبر خارج نص الدفوعات والحيثيات الخاصة بإثبات التهم على أبوظبي، وهو أمر لن يأخذ به المجلس على حد قوله.

من جهة ثانية اعتبر المقلي الإثباتات التي تمثلت في العثور على 6 جوازات سفر إماراتية في الخرطوم لا يعتد بها لجهة أن الدول لا تؤاخذ بما يفعل مواطنوها خارج حدودها إلا في حالة أن يكون موقفاً معلناً من دولة الإمارات بالقتال بجانب الدعم السريع.
“ربما يتم النظر لهؤلاء الإماراتيين على أنهم مجموعة من المرتزقة حال صحت الشواهد”.

السفير الصادق المقلي

خطوة متسرعة
اعتبر السفير جمال محمد إبراهيم خطوة تقديم الشكوى لمجلس الأمن تسرعاً من الجانب السوداني الذي تجاوز المنصات الإقليمية المتاحة لرفع مثل هذه الشكوى وأولها الجامعة العربية.
وقال محمد إبراهيم في مقال نشر على العربي الجديد بتاريخ 23 يونيو إن السودان لم يصبر على وسائل الدبلوماسية الثنائية بين البلدين التي إذا جربت الاستناد على تاريخ العلاقات المميزة لكانت فرصة لاحتواء هذه الخلافات عبرها.
ويرى الدبلوماسي جمال محمد إبراهيم أن اتساع دائرة الحرب أثر على كافة أجهزة الدولة بما فيها الدبلوماسية السودانية ممثلة في وزارة الخارجية الأمر الذي على حد تعبيره “جعلنانشهد نوعاً من الدراما الدبلوماسية المحزنة باستعراضٍ لم يكن مناسباً أن يقع تحت قبة الأمم المتحدة.”

ردود فعل إماراتية
ردود فعل إماراتية كبيرة عمت وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قال المستشار الدبلوماسي أنور قرقاش على صفحته عبر منصة “اكس”: “في الوقت الذي تسعى فيه الإمارات إلى تخفيف معاناة الأشقاء السودانيين يصر أحد أطراف الصراع على خلق خلافات جانبية وتفادي المفاوضات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية”.
وكان السودان قد طلب في أبريل اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن الدولي للنظر في هذه الاتهامات، لكن لم تكن هناك استجابة واضحة ما جعل سفير السودان يثير الأمر في جلسة عادية للمجلس تسعى لبحث الوضع في البلاد.
إلى ذلك وجهت دولة الإمارات رسالة إلى مجلس الأمن بتاريخ 27 يونيو الجاري، تدحض فيها بشكل صريح ما وصفته ب”الادعاءات المفبركة” التي أطلقها مندوب السودان ضد أبوظبي، وقالت في بيان إنها لن تتنازل عن دعمها طويل الأمد للشعب السوداني الشقيق، وستواصل العمل مع المجتمع الدولي سعياً للتوصل إلى حل سلمي لهذا النزاع الكارثي.
وتواصلت SBC مع السفير الإماراتي لدى السودان حمد محمد الجنيبي للتعليق حول تأثير ما دار في مجلس الأمن على مستوى العلاقات الدبلوماسية لكنها لم تتلق منه رداً.

أنور قرقاش

الخارجية تنفي الاعتذار
“خطاب مندوبنا يعبر عن موقفنا” هكذا ردت الخارجية السودانية بعد أن راجت شائعة تتحدث عن اعتذار رسمي من السودان لدولة الإمارات. وفي بيان رسمي قطعت الخارجية السودانية بأن اتهامات مندوبها في الأمم المتحدة يعبر تماماً عن موقفها.
لاحقاً حظي إدريس بتكريم خاص من وزير الداخلية المكلف خليل باشا، ومدير عام الشرطة خالد حسان. وتداول ناشطون صورة بحجم لوحة إعلانية ضخمة للسفير الحارث إدريس تم تعليقها في أحد شوارع العاصمة الإدارية الجديدة، بورتسودان، احتفاء بما قاله في جلسة مجلس الأمن.
الاتهامات التي ساقها إدريس ضد الإمارات لم تكن الأولى من نوعها، ففي عدد من الخطابات الجماهيرية في نوفمبر من العام الماضي ومارس من العام الجاري وجه مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا اتهامات للإمارات بأنها تريد الهيمنة على مواني البلاد وخيراتها متسائلاً عن سبب وجود السفير الإماراتي في بورتسودان ومطالباً بتوجيه الاتهام لبلاده عبر المحاكم الدولية ومحكمة الجنايات. فيما وصف الإمارات ب”الدولة المافيا”

تناقض دبلوماسي!
تشارك عدد من الناشطين التساؤلات مع مساعد القائد العام للجيش حول استمرار العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات فيما تتهمها الدولة بدعم ما تصفه ب”التمرد” على أراضيها.
من جانبه نفى دبلوماسي سوداني، فضل حجب اسمه، وجود تناقض بين العداء المعلن مع أبوظبي والحفاظ على تمثيل دبلوماسي رفيع في الوقت نفسه مشيراً إلى أنها محافظة على قنوات مفتوحة تهدف للحفاظ على مصالح المواطنين المقيمين في البلدين.
وأضاف: “هناك دول تختار تخفيض التمثيل الدبلوماسي إلى ما دون سفير أو تستدعي السفير للتشاور تاركة المحطة فارغة بصورة مؤقتة بهدف إرسال رسائل للدولة المعينة”
وقطع الدبلوماسي بأن التوتر السياسي بين الدول يكون صعباً على البعثة الموجودة في البلد مشيراً إلى إمكانية تعرضهم لمضايقات. وأشار إلى حالات مشابهة تعرضت فيها البعثات الدبلوماسية السودانية لمضايقات في دولتي مصر وتشاد في أزمان سابقة كاشفاً عن تعرض السفير السوداني في تشاد إلى تهديدات بالقتل إبان توتر العلاقات بين الأعوام 2005 و 2007.
وذكر الدبلوماسي حادثة توتر علاقات الإمارات مع دولة إيران في وقت سابق قامت فيه أبوظبي باستدعاء سفيرها لفترة قبل أن تعيده. وحذر الدبلوماسي من خطورة قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل لجهة أن هذا الأمر يعقد التواصل ويكلف الدولة أموالاً طائلة حال أرادت إعادة البعثات الدبلوماسية، مشبهاً الأمر بقطع العلاقات السودانية الإيرانية.
وقال الدبلوماسي لSBC إن الصراع في مجلس الأمن مستوى مختلف قاطعاً بعدم وجود قواعد دبلوماسية ثابتة تتبعها الدول في حال توتر العلاقات أو حدوث أزمات سياسية طارئة.