ما وراء رفض التفاوض: مسيرات إيران أم قضية إرادة داخل الجيش؟

يشارك

اقرأ أيضا

عواصم- خاص SBC:

“لن يكون هناك سلام إلا بعد نهاية التمرد” هذه إحدى العبارات التي حملتها خطابات القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، تؤكد رفضه للتفاوض، وعزمه الاستمرار في العمليات العسكرية حتى النصر.
تصريحات البرهان خلال زياراته إلى كسلا وشندي تزامنت مع تقدم كبير لقواته في منطقة أمدرمان القديمة، وتمكنها أخيرا من فك الحصار المضروب على قاعدة “المهندسين” العسكرية طوال الشهور الماضية.
وهي تصريحات رددها البرهان أثناء مفاوضات المنامة التي قادها نائبه الفريق شمس الدين كباشي ووقع فيها بالأحرف الأولى على اتفاق مبادئ مع قائد ثاني قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو. الأمر الذي بث رسائل متضاربة بشأن مرماها الأساسي.

حيث اعتبر مصدر عسكري، فضل حجب اسمه، أن انخراط الجيش في محادثات جدة ثم الإيقاد فالمنامة أخيرا ليس أكثر من مراوغة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوضاع ميدانيا خاصة بعد وصول السلاح الإيراني.
ومن وجهة نظر القيادي بالتحالف الوطني السوداني ماهر أبو الجوخ؛ فهو أمر يحقق نتائج آنية . لكن أبو الجوخ حذر من تداعياته المستقبلية المتمثلة في التشدد تجاه ما سيتم الاتفاق عليه في أي مفاوضات قادمة.
ومن جهة أخرى أكد أبو الجوخ أن المناورة فيها إحراج دبلوماسي شديد لداعمي الجيش الإقليميين.
واتفق المحلل السياسي محمد لطيف مع رأي أبو الجوخ بشأن خسارة الجيش السياسية المستقبلية مشيرا إلى أنه فقد كل الدعم الإقليمي بانسحابه من الإيقاد. ثم خسر الدعم العربي أيضا بعد رفض الجيش لمنصة المنامة المدعومة من دول إقليمية بينها السعودية ومصر والإمارات.

لكن الجيش يرفض اتهامه بالمناورة، ويرميه على خصمه الدعم السريع. ويقول الخبير العسكري اللواء أمين إسماعيل إن الدعم السريع يستخدم التفاوض كموقف تكتيكي بعد هزيمته ميدانيا، مشيرا لرغبته في تحقيق على ما لم يحصل عليه بالحرب.
وأضاف إسماعيل في حديثه لـ SBC: “لا أريد أن استخدم عبارة أن الجيش يتعنت في رفض المفاوضات، لكنه فعلا متفوق في الميدان”

من جهة ثانية فإن التقدم العسكري لقوات الجيش بات واضحا في تمدده في العديد من أحياء أمدرمان ومحاصرته لمباني الإذاعة والتلفزيون. وتعزي مصادر عسكرية هذا التفوق الميداني الذي جاء بعد أشهر طويلة إلى المسيرات الإيرانية.
وقالت مصادر لـ SBC إن الجيش استلم باخرتين في شهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي محملة بمسيرات من طراز مهاجر-6. وأعلن الدعم السريع إسقاطه إحداها في يناير الماضي، وهو ما يؤكد دخولها الخدمة فعليا.
لكن الخبير العسكري رفض أن يتم ربط السلاح الإيراني بانتصارات الجيش “السلاح من دون رجال خلفه لا يحقق تفوقا”. وقطع بأن السبب عسكريا يعود إلى تدمير الجيش لما وصفها بـ”الكتلة الصلبة” للدعم السريع وقطع خطوط إمداده.

تمترس الجيش طوال الشهور التسعة الماضية في موقع الدفاع أفقده الكثير من الآليات والمقدرات العسكرية التي كانت تظهر في فيديوهات الدعم السريع في عدد من المناطق العسكرية.
وهي خسائر بحسب المحلل السياسي محمد لطيف لن يعوضها دخول المسيرات الإيرانية إلى المعركة. وقال لطيف: “لو فتحت خزائن السلاح الإيراني على مصراعيها لن تعوض الجيش”.
من جهة ثانية ينظر لطيف إلى خطورة تطبيع العلاقات مع إيران مع كل ما تثيره من قلق في البحر الأحمر عبر وكلائها الحوثيين. وهو الأمر الذي ربما يوقع الجيش تحت خطر حظر دولي للسلاح.

ويرى أبو الجوخ أن تصاعد الأصوات المنادية بالحسم العسكري ناتج عن التقدم الذي حققه الجيش في بعض مناطق أمدرمان، ويوضح: “بكل تأكيد فإن حسم المعركة لصالح الجيش في مجمل ولاية الخرطوم لا يعني إنتهاء الحرب، بل يوضح انتقالها لمرحلة جديدة”.
وأضاف أبو الجوخ لـ SBC أن الحل التفاوضي سيكون هو الخيار الوحيد المتاح عند تلك المرحلة.
من جهته يقول لطيف إن حسابات التفوق العسكري لا يمكن أن تقاس بما يحدث في العاصمة، مشيرا إلى أن الدعم السريع يتقاسم السيطرة الميدانية في السودان بنسبة 50% تقريبا.

على صعيد متصل، فإن أهم سمات المفاوضات الأخيرة في المنامة هو جمعها لمحاور إقليمية ليست على وفاق تام من أجل وقف الحرب السودانية، على رأسها المحورين المصري والإماراتي.
وهدفت المبادرة المصرية المحافظة على الواقع الميداني بما هو عليه حاليا، ومطالبة الدعم السريع بعدم التقدم إلى مناطق جديدة بعد ولاية الجزيرة.
محادثات المنامة التي شاركت فيها السعودية والولايات المتحدة الأميركية إلى جانب مصر والإمارات والدولة المستضيفة، تبددت مخرجاتها بسبب الهجمة الشرسة التي واجهت الفريق كباشي من إعلاميين محسوبين على النظام السابق، وحملته على الإحجام عن العودة إلى اجتماعات تناقش وقف العدائيات.
وكان مقررا التأسيس على ما تم التوصل إليه في البحرين، لتكون الخطوة التالية لقاء يجمع قائدي الجيش والدعم السريع وجها لوجه بعد أن فشلت الإيقاد في ذلك.

وعلى هامش محادثات المنامة تناولت أوساط إعلامية اعتراف الفريق شمس الدين الكباشي بأن الاسلاميين هم من يقف خلف الحرب.
وهو تصريح أكده لـ SBC مصدر من الدعم السريع قال إن حديث كباشي جاء أمام مسؤولين في مخابرات مصر والإمارات والبحرين.
وعلى الرغم من أن الجيش يرى أن المفاوضات واقعا لا مفر منه حتى وان كان منتصرا لترتيب أوضاع ما بعد الصراع المسلح، وفق الخبير العسكري اللواء أمين إسماعيل، لكن يبدو أن الجيش لا يملك قراره في هذه الحالة.
فبعد أن وقع الكباشي على إعلان مبادئ من واحد وعشرين بندا مع الدعم السريع، لم يعد إلى التفاوض، وتعلل بعطل في طائرته منعه من السفر إلى مقر مفاوضات تسعى لوقف حرب قتلت الآلاف وشردت الملايين.
وربط المحلل السياسي لطيف رفض قادة الجيش استئناف التفاوض بعودة قيادات من الإسلاميين إلى المشهد. وقارن لطيف في حديثه مع (SBC) تصريحات البرهان في بداية الحرب التي وصفها بـ “العبثية” ومطالبته الدعم السريع بالتعقل آنذاك، ثم تغيير لهجته وتوجيه بوصلته إلى خيار الحسم العسكري.
ويرى لطيف دليلا آخرا على ضلوع الإسلاميين في اختطاف قرار الجيش في سياسة تعدد المنابر. وذكّر لطيف بتنقل حكومة البشير بين نيفاشا وأبوجا والقاهرة والدوحة. وهو ما اعتبره لطيف سياسات تضليلية تسعى لكسب الوقت وتمويه الموقف الحقيقي.
ويضيف: “تتكرر الطريقة ذاتها الآن في قفز الجيش من جدة إلى الإيقاد إلى المنامة وأخيرا يذهب إلى طرابلس”
وبالنسبة لأبو الجوخ القيادي في حزب التحالف الوطني السوداني فإن قرار البرهان وحديثه ليس إلا “رجع صدى” لخطاب الإسلاميين. وأضاف أبو الجوخ لـ SBC أن إشعال المؤتمر الوطني لهذه الحرب حقيقة لا ينكرها إلا مكابر. وقطع أبو الجوخ بعدم قبول الإسلاميين لأي اتفاق على وقف إطلاق النار لا يعيد إليهم شرعيتهم.