الحرب ونتائجها المبدئية الكارثية:
في هذا اليوم الذي انطلقت فيه المنصة الرقمية لهيئة الإذاعة السودانية (الثامن من شهر ديسمبر 2023) كانت الحرب في السودان قد أوشكت على الدخول في شهرها التاسع. ظلّت، وما تزال منذ اندلاعها في 15 أبريل عام 2023، حرباً مدمّرةً قاسية، بدأت في ولايات الخرطوم ودارفور، ثم انتقلت إلى ولايات كردفان والنيل الأبيض، وتهدّد بالانتقال إلى بقية ولايات السودان في أيّة لحظة.
تزداد المآسي التي نتجت وتنتج عن الحرب يوماً بعد يوم. لكن بعد ثمانية أشهر من القتال الشرس فَقَدَ أكثرُ من عشرة ألف سودانيٍ أرواحهم، وجُرِح الآلاف، وطال الاختفاءُ القسري آلاف آخرين، والتعذيبُ والتجويعُ المئات في معتقلات الطرفين. كما أرغمت الحرب قرابة سبعة مليون سوداني على النزوح إلى ولايات ومدن أخرى داخل السودان، بينما تجاوز عدد اللاجئين السودانيين في دول الجوار المليون لاجيء. وتمّ دمار وحرق جلِّ المنشآت الحيوية في ولاية الخرطوم من محطات المياه والكهرباء والطاقة والمطار والإذاعة والتلفزيون، ومباني الوزارات والمصالح. كما تم احتلال معظم المنازل وتدمير الكثير منها، بعد نهب ما بها من أثاثٍ ومعدات وملابس وأموال وممتلكات شخصية. تكاثرت حالات الاغتصاب والاعتداء الجنسي، وبات الذين لم يغادروا منازلهم في ولاية الخرطوم بين مطرقة القصف الجوي والرصاص والاعتقال، وسندانة الجوع والعطش والمرض والموت.
توقّفت الخدمات الطبية في مناطق الحرب، وتأثرت كثيراً في بقية مدن السودان جراء نقص الأدوية والمعدات والانقطاع المتواصل للكهرباء. وأغلقت الجامعات والمدارس أبوابها وظلّ قرابة التسعة عشر مليون طفل وطفلة قابعين في منازلهم ومحرومين من التعليم بسبب الحرب، يعاني الكثير منهم – بالإضافة إلى فقدان التعليم – من سوء التغذية والحاجة إلى العلاج والتطعيم.
بل وأصبحت مباني المدارس هي الملاذ الآمن للأسر النازحة، تقيهم من شمس النهار وحرِّه وسمومه، ومن ظلام الليل ومطره وترابه وبرده. وواصل المدرسون والمدرسات البحث عن عمل خارج حقل التدريس يفي بلقمة العيش الكريمة لهم ولأسرهم بعد أن فشلت الدولة في سداد مرتباتهم منذ الشهر الأول للحرب – كما حدث لبقية موظفي وعمال الحكومة. وتم تدمير شركات ومصانع ومكاتب القطاع الخاص والتي يقع جلها في ولاية الخرطوم، ونزح العاملون فيها، مثل الملايين غيرهم، إلى ولايات السودان الأخرى، هائمين على وجوههم يبحثون عن مأوى ومصدر رزقٍ لهم ولأسرهم بعد أن توقّفت شركاتهم – مثلها مثل مؤسسات القطاع العام – عن دفع أجورهم. وأصاب الشلل الاقتصادي البلاد، وتواصل انكماشه ليقترب من الخمسين في المائة، وهي نسبةٌ توضح حجم الكارثة غير المسبوقة التي نعيشها الآن.
نتج عن هذا الوضع الاقتصادي المزري ندرةٌ في السلع الرئيسية وارتفاع متواصل في أسعارها. وزادت قيمة إيجار المنازل بصورةٍ جنونية بسبب السبعة مليون نازح، ولم يستطع الكثيرون دفع هذه الأيجارات العالية، فلجأوا إلى السكن في المدارس والأندية الرياضية، أو حتى العودة إلى مساكنهم في ولاية الخرطوم رغم تحديات الحرب. واكتظت كبريات المدن في ولايات السودان بهؤلاء النازحين ونتجت بسبب هذا الكم الهائل من النزوح ضغوطٌ كبيرة على صحة البيئة التي كانت تعاني من ضعفٍ كبير حتى قبل وصول النازحين. تسبّب هذا الاكتظاظ والضغوط على البيئة في تفشّي أمراضٍ معديةٌ عديدة مثل حمى الضنك والتايفويد والملاريا والكوليرا. غير أن معظم المرضى لزموا منازلهم أو المدارس التي يقيمون فيها بسبب غياب أو ضعف القطاع الصحي.
ماذا نحن فاعلون؟
الاكتفاء بالصمت والإدانة الشفهية للحرب والجدل وتبادل الرسائل عن الحرب تقصيرٌ كبير. لا بد من مواصلة تكوين الجبهات المدنية في مدن وقرى السودان لتقوم بالضغط، بكافة الوسائل، على الجنرالين المتحاربين وضباطهما وجنودهما ومستشاريهما من أجل الوقف الفوري لهذه الحرب المدمرة بدءاً بالعودة إلى منبر جدة. ويمكن لهذه الوسائل أن تشمل المواكب السلمية داخل وخارج السودان داعيةً إلى وقف الحرب. كما يجب على السودانيين المقيمين بالخارج العمل، من خلال الرسائل والمذكرات والمكالمات التلفونية والإفادات في المجالس التشريعية والمنابر الرسمية الأخرى لهذه الدول، ومع منظمات حقوق الإنسان، بغرض حثِّ هذه الدول لتقوم بالضغط على الطرفين المتحاربين لوقف هذه الحرب، ولتوقف المساعدات المباشرة وغير المباشرة لاي من الطرفين المتقاتلين.
يمثّل “اتفاق جدة الإنساني” الذي تم التوصّل إليه في 11 مايو عام 2023، واتفاق وقف إطلاق في 20 مايو عام 2023، والاتفاقيات التي تلتها والتي لم يلتزم بها أيٌ من الطرفين المتحاربين، البداية الممكنة لإنهاء الحرب. ويحظى منبر جدة في اعتقادنا بالثقل الإقليمي العربي (المملكة العربية السعودية)، والأفريقي (منظمة الإيقاد مُمثّلةً للاتحاد الأفريقي)، والغربي (الولايات المتحدة الأمريكية)، ولديه الجزرة والعصا التي نحتاجها للضغط لوقف الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها. يلي ذلك مباشرةً البدء في حوارٍ مكثّف يشمل الطرفين المتحاربين والقوى المدنية للاتفاق على الوقف التام والنهائي للحرب، وعلى خارطة طريقٍ لحكم السودان، وإعادة بنائه، وإدارته بعد الحرب.
إنها حربٌ عبثيةٌ لعينةٌ مدمّرةٌ لم يَدُرْ حدوثها في خاطر أي سودانيٍ في يومٍ من الأيام، حتى في أسوأ كوابيسه، ونحتاج أن نصعّد ونكثّف من جهودنا لوقفها فوراً.
رئيس مجلس جامعة الخرطوم


