قراءة في مقاربة سؤال الحرب (عام انقضي و آخر اطل )

يشارك

اقرأ أيضا

ضرورة وقف الحرب تعيدُ تعريفَ مفهوم الضرورة كدالةٍ تجبِرُ كَسْرَ التاريخ حتى يُعاد تعريفُ الحياةِ كمعطىً، مِثلُها مِثل الماء والهواء.
غَرِقَ بعضٌ مِن المحللين والكتّاب في بِركة سؤال (مَن بدأ الحرب؟ مَن أطلق الطلقة الأولى؟) فسقطوا في مقاربة الحرب كبعيرَيْنِ في مضمار سباق الهجن وأغفلوا دِربَةَ السائس وأُبُّوة البعير.!!
وبرغم ذلك يظل السؤال (مَن بدأ الحرب) سؤالاً ضلَّ درب السؤال ليصير سؤالًا الإجابة عليه بلغة الرياضيات وجداول الضرب الرقمية فتموت الإجابة لغموض مفهوم السؤال.
الحرب ليست برقًا يلمعُ في ذات التو. الحرب كسيرورةِ مظانٍ ومعاش هي دائما هناك كما الحياة والموت.
حرب الخامس عشر من أبريل حربٌ مؤجلةٌ أرهقَها الانتظار حتى كانت فترات السلام في تاريخ السودان حربًا أخرى مؤجلة تتسوَّر حيطان قيلولات السلام والبلاد.
كان، ولا زال، من أخطاء الدولة الكولونيالية أنْ صعَدَت الجغرافية لمصاف التاريخ وانحط الأخير لمصاف الجغرافية، بمعنى صعود المكان تاريخاً وانحطاط التاريخ جغرافيةً (كتبتُ ونشرتُ حول هذا المفهوم في ورقة حول الأيقونة الخاتم عدلان في أربعينية رحيله). فأصبح التاريخ وسيروراته تقرأ بعين المسافة الجغرافية لا التمفصلات الطبقية ومآلاتها.
فكان أنْ رشَحَتْ أطروحة الهامش والمركز كمفهوم فيه الجغرافية تخطو بنعالِ التاريخ لا عباية ولبوس الزمكان: الجغرافية تقاس بطول المسافة أو قِصَرِها عكس التاريخ المنقوع في سيرورات ترافق الاثنين: الزمكانية.
عمَلَ نظامُ الإسلاميين على تلقيح وإخصاب تلك الأطروحة عاليه نجح وكَسَدَ كضرورةِ حتمٍ بعد حين، وابتدعَ خطابَهُ لمقارعة أُطروحات الحركات المسلحة بذات السيف والمفهوم.
فأصبح حل الصراعات المسلحة (قضايا الهامش كما ترى تلك الحركات) بإلحاقها ب “تقصير” مسافة الجغرافيا من “المركز” لا من تعالق أسئلة التاريخ الاجتماعية والثقافية في تشابكاتها ومرجعياتها الزمكانية: التاريخ والجغرافية في تلازُمِهِما لميلاد السؤال، أيِّ سؤال.
فابتلعَتْ الحركات المسلحة، فيما ندر، (الحركة الشعبية شمال وأطروحة السودان الجديد وحركة عبد الواحد نور) الطعمَ الممدود من سِنّارة الخطاب العربسلامي!! خطابان ساحةُ صراعِهِما المكان/الجغرافيا لا التاريخ والزمكان.
فانفصل الجنوب في استناده على معاول أطروحة السودان الجديد فكان خُروجُه من معطف الجغرافيا/المكان إلى رحاب الزمكان والتاريخ. بينما انردفت معظم الحركات المسلحة الأخرى في ذات سرجِ ودابةِ خطاب المؤتمر الوطني حتى بلغ عدد اتفاقيات الدوحة الإلحاقية ما فاق الثلاثين اتفاقية خلال الثلاثين عامًا من حكم حكومة الإنقاذ!!
أفرزت نضالات الشعب السوداني طيلة الثلاثين عامًا من سِيادة الخطاب الإنقاذي، وحتى إسقاطه، خطاب مقاومة مُغايرًا بمُسمَّى لجان الانتفاضة.
وقد أسميتهم في كتابات أخرى لي: الوافدين أو الضيوف الجدد على مائدة الخطاب السياسي السوداني (يمكن مراجعة ذلك في عدة كتابات ومقالات منشورة في صحيفة مداميك).
كانت اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020 هوَ هوَ انتصار خطاب المؤتمر الوطني ضد خطاب الحركات المسلحة والذي هوَ هوَ ذات الخطاب !!
بكلام آخر أفْضَت اتفاقية جوبا للسلام إلى الارتفاق في ذات السرج وذات الدابة باختلاف الرَسَن والوَسْم من غير تغاير الحقل والعلَف!!
بالنتيجة: إعادة إنتاج أو استطالة خطاب المؤتمر الوطني بآليةِ ووثيقة (2019) جديدة لتغتني فقط “مائدة الخطاب السياسي السوداني” بذات الأطعمة وفاتحات شهية الآكلون وبقاء “الضيوف والوافدين الجدد” خارج شهيات ونبيذ المأدبة!!
وجاء انقلاب أكتوبر 2021 ليسد ويرتق بعضاً من فتوقات أحدَثَتها دماءُ وأحلامُ نضالاتِ لجان الانتفاضة وأشواقُهم لصباحاتٍ بطعمٍ مختلف، كانت دماؤهم ومواثيقُهم ونشيدُهم تنقص شهية المتحلقين حول تلك “المائدة”.
لا النشيد خفَتَ صوتُهُ ولا انفضَّ سُمّارُه تحت فِضّة قَمرِ لَيلِهم. فكانت حرب الخامس عشر من أبريل حرباً على كل ما كان لتخرس النشيد وينفضُّ السُّمّار من حول بِرْكة فِضّة قَمَرِهم ويستعلن لمرة أخرى انتصار الجغرافيا على التاريخ ومن ثم متلازمة انحطاط الاثنين و هُما يتوسدان ذات المخدة يلتحفان ذات الغطاء!! ليصير السؤال: بدلاً مِن سؤال مَن أطلق الطلقة الاولى حتى تكون الإدانة وما يستتبعها من استقطابٍ وتوزُّعٍ ما بين الطرفين، البحث عن أسباب حرب مؤجلة ولكل مؤجل ميقات، كما الموت والميلاد وما بينهما من عشق وعشق مغاير.
بالاستطراد، تكون مبادرات إيقاف الحروب الأخرى التي تكوَّمَت في حرب الخرطوم، جدة، الإيقاد والاتحاد الأفريقي، تلعق من ذات الحليب: الحرب حرب بين ” الهناك” و”الهنا” ورحلة القافلة من الأول نحو الأخير رحلةٌ في المكان لا التاريخ، في المسافة لا السيرورة!! مصالحة بين خصمين بذات المعطف والعطر واليقين.
كم يحتاج الخطاب أنْ يكونَ ابن الزمكان لتكون الحرب مركب الأوديسة المكسور!!!