د. عبدالسلام: السودانيون قدموا المساعدات الإنسانية قبل دعوة الأمم المتحدة
كان على أصحاب القرار في السلطة أن يقدموا الرسائل الأقوى والأنسب
القرار فُهم بغير مراميه وهو ملزم ولكن تنفيذه سيكون جزئياً
في هذه الحالة يجب تبني مشروع وطني لاستعادة ثورة ديسمبر
حوار: المحرر السياسي
أثار القرار الذي قدمته بريطانيا وتبناه مجلس الأمن يوم الجمعة الماضي بالرقم 2724 والخاص بالسودان عدداً من ردود الفعل، وبرزت التساؤلات حول كيفية تنفيذه على الأرض، خاصة مع البيانات والتصريحات التي تلت صدوره والداعية لاستمرار القتال على الرغم من أنه جاء كدعوة لوقف الأعمال القتالية وإيصال المساعدات الإنسانية خلال شهر رمضان.
حاورت SBC الدكتور محمد عبدالسلام الإزيرق الخبير في القانون الدولي والعميد السابق لكلية القانون بجامعة الخرطوم والعضو السابق في لجان العقوبات الدولية في مجلس الأمن، لشرح وتشريح القرار وتوضيح ما التبس فهمه، وحقيقة مآلاته وتأثيره على الأرض خاصة مع دخوله حيز التنفيذ مع بداية شهر رمضان فإلى مضابط الحوار
ما هو تقييمك لقرار مجلس الأمن الذي اعتمد أول أمس الجمعة بشأن السودان؟
من ناحية فنية تدخل مجلس الأمن في الحالة السودانية يعني أن هناك تهديداً للأمن والسلم الدوليين والقرار أتى تعبيراً عن ذلك حيث أصبح الوضع في السودان تحت تفويض مجلس الأمن، وهذا بالضبط ما ذكره الأمين العام في خطابه الذي قال ” إن الصراع في السودان يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الإقليم بشكل درامي من الساحل إلى القرن الأفريقي والبحرالأحمر”، وهذا بطبيعة الحال يرقى إلى تهديد السلم والأمن الدوليين وهذا يضع الحالة السودانية تحت تفويض مجلس الأمن ليتخذ قرارات ملزمة.
ما هو تفسيرك للقرار وهل يؤدي لوقف العدائيات وبالتالي توقف الحرب في السودان؟
القرار تحدث عن وقف العدائيات والذي مهد له الأمين العام للأمم المتحده إلا أن فحوى القرار كان التركيز فيه على الإغاثة الإنسانية وهو ما التزمت به الحكومة السودانية قبل صدور القرار وجاء خطاب الأمين العام تعضيداً لما التزمت به الحكومة، فقد قال إن الأزمة الإنسانية وصلت إلى نسب غير مسبوقة وحيث أشار إلى أن 25 مليون يحتاجون لمساعدات إنسانية عاجلة لحفظ حياتهم بينما قتل 14 ألف شخص ونزح حوالي 6.3 مليون شخص، بينما 1,7 مليون فروا إلى الدول المجاورة وأكثر من 70 في المائة من المؤسسات الصحية لا تعمل و18 مليون ليسوا في مأمن غذائي. إذاً القرار في مجمله صدر من أجل الغوث الإنساني وليس وقف إطلاق النار بينما ذلك يعتبر مقدمة لوقف اطلاق النار. اعتقد أن القرار فُهم بغير مراميه وهو ملزم ولكن تنفيذه سيكون جزئياً فالقرار لن يوقف إطلاق النار بشكل مباشر ولكن هذه الاستراتجية كانت مستخدمة في عدد من تجارب النزاع السابقة في السودان ويتم استخدامها الآن، حيث بدأ مثلاً وقف اطلاق النار في حالات مشابهة بالمساعدات الإنسانية كما حدث في حالة نزاع جنوب السودان 1988 عبر عملية شريان الحياة بين حكومة الديمقراطية الثالثة في السودان بقيادة الصادق المهدي والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وأيضاً اتفاقيات دانفورث الإنسانية الأربع في العام 2002 التى كانت مقدمة لوقف إطلاق النار ومن ثم اتفاق نيفاشا السياسي. إذاً استراتيجياً هذا القرار يمكن أن يعتبر تمهيداً لعملية شاملة لوقف إطلاق النار والعملية السياسية اللاحقة له.
وفي هذا السياق أرى أن يكون لقوى الثورة والقوى المدنية والسياسية موقف ومشروع سياسي وطني واضح يمكنها من استعادة ثورة ديسمبر والتحول المدني الديمقراطي الحقيقي في اتجاه صحيح بدلاً عن أن يؤدي هذا الوضع لإعادة تقسيم السلطة بين الأطراف المتنازعة وأن ينبني هذا المشروع على الاستفادة من كل التجارب السابقة.
ما الذي سيغيره القرار بالنسبة للوضع الإنساني خاصة في للسكان في مناطق النزاع؟
حكومة السودان وافقت فعلياً قبل صدوره على وصول المساعدات من عدة مسارات من بينها ثلاثة مطارات وهي الفاشر وكادوقلي والأبيض ووافقت على السماح باستخدام الأراضي السودانية بما في ذلك الحدود مع تشاد عبر (الطينة) وكذلك وافق الدعم السريع على ذات الأمر وبالتالي هناك سؤال كبير: هل يعني هذا أن الحكومة السودانية وافقت على تقديم العون الإنساني للمناطق التي تحت سيطرة الدعم السريع، خصوصاً أن هناك مناطق حدودية تقع تحت سيطرته ومتاخمة لدول الجوار ما يعطيه اليد الطولى هناك.
إذاً وفقاً لهذه المعطيات ما هي الآليات المناسبة والعملية لتيسير وصول هذه المساعدات للسكان المدنيين على الأرض؟
هناك احتياج حقيقي للسكان المدنيين للمساعدات كحق إنساني أصيل وفقاً للقانون الدولي الإنساني، لأن منع الغذاء عن السكان المدنيين يعتبر جريمة حرب، ولكن بالمقابل نجد أن التجربة السودانية تقول إن الأطراف المتنازعة تستخدم وتستغل الغذاء لإطالة أمد الحرب خاصة في ظل غياب مبادئ الشفافية والحيادية في العمل الإنساني في الوضع الماثل، لذلك سيمثل ذلك تحدياً في إيصال هذه المساعدات لأن الطرفين سيتحكمان في توزيع الإغاثة الإنسانية وسيتم استخدامها لصالح المتحاربين بأكثر من أن يكون ذلك لصالح السكان المدنيين وبالتالي وبهذه الصورة سيكون الغذاء مصدر سلطة وسطوة للأطراف المتنازعة لخلق واقع جديد.
كذلك نجد أن دعوة الأمين العام للأمم المتحدة للمنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات ركزت فقط على مناطق محددة دون المناطق الأخرى بالرغم من أن الولايات الآمنة نفسها تتعرض لخطر نقص المساعدات ويوجد بها نازحين.
هل يعتبر القرار التفاتة جادة من مجلس الأمن والمجتمع الدولي للوضع في السودان؟
السؤال المهم هنا، بعد عام من الحرب من الذي كان يقدم المساعدات الإنسانية في السودان طيلة الفترة الماضية، خاصة بعد خروج المنظمات الإنسانية والسفارات والعاملين في المجال الإنساني ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة مثل أوتشا وبرنامج الغذاء العالمي. بالطبع من تحمل ذلك هم السودانيون أنفسهم ومنظماتهم وتكويناتهم المدنية والمجتمعية في الداخل والخارج ولا أحد غيرهم، هذا مع غياب معتبر للمجتمع الدولي في تقديم العون الإنساني. السودانيون في المهاجر والشتات وفي الولايات الآمنة هم من قاموا بتلك المهمة، وبالتالي كان من الأولى للمجتمع الدولي أن يقدم العون الإنساني للمنظمات الوطنية ولجان الطوارئ وهذه قوى مرتبطة عضوياً بالثورة والتغيير ولديها درجة كبيرة من الحيادية والالتزام الوطني علاوة على أن ذلك كان سيصبح أقل تكلفة مقارنة بالتكلفة التي سيوفرها المجتمع الدولي في حال تقديم المساعدات عن طريق المنظمات الدولية حيث سيذهب أغلبها للدعم اللوجستي ومرتبات الموظفين والعاملين فيها.
هل ستؤثر ردود فعل الحكومة وتصريحات منسوبيها تجاه القرار بعد صدوره على تنفيذه؟
كان على أصحاب القرار في سلطة الأمر الواقع أن يقدموا الرسائل الأقوى والأنسب. تصريحات الخارجية السودانية والفريق ياسر العطا لا تخرج عن كونها مزايدات سياسية حيث أن حكومة السودان وافقت رسمياً وسلفاً على دخول المساعدات الإنسانية بل وحتى حددت نقاطاً لدخولها حسب بيان للخارجية بتاريخ 6 مارس 2024، وبعد ذلك جاء البيان الصحفي للأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 7 مارس 2024 ( SG\SM\22146). هذا يعني أن قرار مجلس الأمن صدر باتفاق مسبق بين الأطراف المختلفة ولم يفرض فرضاً والمؤشر الذي يعضد هذه الفرضية هو أن الموافقة عليه تمت من 14 دولة مع امتناع روسيا فقط عن التصويت والامتناع في هذه الحالة من دولة مثل روسيا لديها حق النقض تعني الموافقة.
وبما أن موافقة حكومة السودان فيما يبدو مرتبطة بالبعد الإنساني فقط وليس العملياتي العسكري أو السياسي فتصريحاتها اللاحقة غير ملائمة لحيثيات القرار. وحتى تكون التصريحات مضبوطة وملائمة لفحوى القرار فقد كان بالأحرى أن تطالب الحكومة بانسحاب قوات الدعم السريع بشكل عاجل من المناطق الزراعية ومناطق الانتاج فهذا هو المهدد الحقيقي للأمن الغذائي للسودانيين، وهذا ما سيتيح للسودانيين أن يكونوا بمنأى عن انتظار العطايا الدولية خصوصاً أن السودانيين قاموا بذلك فعلياً ووفروا الغذاء من مناطق الانتاج لمدة عام مما أغناهم لفترة طويلة عن إراقة ماء وجههم أمام المجتمع الدولي.
خطاب حكومة الأمر الواقع كان يمكن أن يكون مختلفاً ولكن للأسف نحا الخطاب في اتجاه بدا وكأنهم لم يفهموا فحوى القرار أو أنهم فهموه ولكنهم يريدون استغلاله لجهة تصدير مواقف سياسية وهذا يشكك في أن همومهم مرتبطة بأوضاع السودانيين بالفعل.
ماذا يحدث إذا لم تلتزم أطراف الحرب في السودان بتنفيذ الهدنة وما هي التبعات القانونية في حال عدم الالتزام؟
الأطراف التزمت بالمساعدات الإنسانية، والهدنة في تقديري مدخلاً للعملية السياسية وهناك مؤشرات كثيرة لذلك خاصة أن الأمين العام للأمم المتحدة أشار للخطر على أمن الاقليم في إحاطته لمجلس الأمن ويقرأ ذلك بالطبع مع تطور الاوضاع وتفاقم النزاعات في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر مما يجعل هناك ضرورة لحل النزاع في السودان.
متى تكون قرارات مجلس الأمن ملزمة للدول ومتى تكون غير ملزمة؟
قرارات مجلس الأمن في كل الأحوال ملزمة عندما يكون هناك تهديداً للسلم والأمن الدوليين. ونجد أن الأمين العام للأمم المتحدة في إحاطته لمجلس الأمن دعا قوى ومنابر إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي عبر الآلية رفيعة المستوى والإيقاد ومنبر جدة وجامعة الدول العربية، لتكثيف التواصل مع الشركاء الدوليين والدول الرئيسية ليقوموا بإجراءات سريعة من أجل وقف إطلاق نار دائم عبر وساطة دولية شاملة ومتسقة ومتكاملة وفعالة بالاعتماد على الدول الإقليمية التي لديها تأثير على الطرفين، كما أشار لدور المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رمطان لعمامرة وهذا يعني أن لهذا القرار ما بعده وستنشط هذه الجهات التي تشمل الأمم المتحدة لإيجاد حلول للأزمة في السودان.


