النساء في السودان: عنف غير مسبوق وقرارات لا تُنفَّذ!
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تعرضت الآلاف من النساء السودانيات لخطر الموت، وسقطت المئات منهن قتلى بالرصاص أو من انعدام الرعاية الصحية حيث توقفت كثير من المستشفيات عن العمل بسبب انقطاع الأدوية المنقذة للحياة. أما الناجيات فأصبحن أراملاً أو فاقدات لأولادهن ومنازلهن، ووجدن أنفسهن أمام خيار النزوح أو المواجهة المباشرة للأسلحة والقصف المباشر والعشوائية.
تقول شذى بلة المهدي، المدير القطري لمركز المشروعات الدولية الخاصة بالسودان ” إن ما يحدث كارثة إنسانية أول ضحاياها الأطفال ومن بعدهم النساء”. وعبرت شذى عن قلقها على أوضاع النساء الموجودات داخل مناطق الصراع لعدم قدرتهن على الهروب من خطر الحرب ” أغلب الموجودات في أماكن الخطر لا يمتلكن جوازات سفر وغيرها من الوثائق الثبوتية ناهيك عن المال”. تهتم شذى بتمكين المجتمع المدني ونشر المساواة بين الرجل والمرأة، كما تعمل على رفع وعي النساء بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان.
تواصلت SBC مع إحدى النساء اللائي أجبرن على البقاء في منازلهن في أحياء أمدرمان القديمة وتحّملن ويلات الحرب خلال شهورها الأولى، التي فضلت حجب اسمها وطلبت مناداتها بأم عمر، قالت “نحن من الذين حالفهم الحظ ولم تصبنا شظايا الصواريخ ولكن أصبنا بوضع نفسي لا يوصف من شدة السوء” وأضافت خلال حديثها أنها كانت مواجهة بتحديات كبيرة خاصة وأنها مطلقة وحاضنة لأطفالها، ووصفت “مشاهدة جثث الموتى والمنازل المهدمة أصبح أمراً عادياً للأطفال” وعند سؤالها لماذا تأخرت في مغادرة المدينة لتنجو بأطفالها ردت في جملة قصيرة ” لم أكن املك مالاً يساعدني في الهروب”. أم عمر استطاعت لاحقاً النجاة بأطفالها إلى دولة مجاورة لكنها لا تزال تشعر بالحزن والخوف على الأهل والجيران الذين تركتهم خلفها.
تحديات اقتصادية
لا شك في أن دور المرأة تعاظم بسبب غياب الرجل لأسباب عديدة أولها الانخراط في الحرب، ووقع العبء الأكبر من المسؤولية بشكل خاص على النساء في وقت كانت تعاني من ضيق الفرص في سوق العمل المحلي، ووجدت المرأة السودانية نفسها أمام واقع جديد مصحوب بالتوقعات الاجتماعية في ممارسة دورها من رعاية الأطفال والأسرة بالإضافة لتوفير مصدر رزق بعد أن حوّلتهن الحرب إلى معيلات للأسر.
وتشير شذى إلى أن التردي الاقتصادي الناتج عن الحرب تقع آثاره على النساء اللائي يتولين رعاية الأسر أما لموت الرجال في الحرب أو ذهابهم إلى ساحات القتال، بالإضافة إلى الذين قرروا الهروب من مسؤولياتهم المتعلقة بإعالة أسرهم. وناشدت المهدي منظمات المجتمع الدولى بوضع المرأة السودانية على رأس أولوياتها لتحملهن القدر الأكبر من تبعات الحرب.
وعن الأوضاع الاقتصادية للنازحات تقول مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سليمى اسحق ” النزوح أدى إلى فقدان النساء العاملات لمصدر رزقهن ونتج عن ذلك ظهور المعاناة المتعلقة بالاحتياجات الضرورية” وأضافت خلال حديثها لـ(SBC) أن أكبر التحديات الحصول على أماكن آمنة للسكن، فبعضهن لم يستطعن التعايش مع معارفهن في الولايات الآمنة فلجأن إلى دور الإيواء المؤقتة حيث تنعدم الخصوصية، أما المساعدات التي توفرها المنظمات الدولية لا تنفذ بسرعة ولا تأتي بشكل منتظم.
وعلى الرغم من هذه التحديات الهائلة، أظهرت المرأة السودانية مرونة وشجاعة ملحوظة، وأصبحت من عوامل التغيير داخل مجتمعها. تحكي ت. ع ـ قصتها مع النزوح من الخرطوم إلى إحدى الولايات الآمنة حيث اختارت أن تقيم في فصل دراسي داخل مدرسة أصبحت ملجأ لمن لم يتمكن من إيجاد مسكن. تسرد ت.ع التي لا تناصر أي طرف في النزاع الحالي ولم تنتم إلى أي حزب سياسي ” وأنا في هذا الفصل الدراسي وجدت نفسي محاطة بأشخاص لا أعرفهم ولا نشترك في شيء سوى المعاناة” عندها قررت تحويل مأساتها إلى إيجابية، تقول ت. ع ” لاحظت وجود أطفال كثيرين في المدرسة انقطعوا عن التعليم فالمدارس تحولت من مراكز علم إلى دور إيواء، فخطرت لي فكرة أعطاء دروس لهؤلاء الأطفال” فأصبحت معلمة متطوعة في الفترة الصباحية وبائعة شاي في المساء.
الاغتصاب.. أداة انتقام
من أعظم التحديات التي واجهتها المرأة السودانية هو التهجير القسري من المنازل إلى مخيمات ودور إيواء مكتظة بالنازحين. هذه المخيمات تفتقر في كثير من الأحيان إلى البنية التحتية الكافية والمرافق الأساسية، ما أدى إلى تفاقم الظروف التي تواجهها. وتشير التقارير الحقوقية إلى أن النساء والفتيات في هذه المخيمات معرضات بشكل خاص للعنف الجنسي والاستغلال والإتجار بهن. وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تلقت تقاريراً تفيد بتعرض النساء في السودان لانتهاكات مروعة، من بينها العنف الجنسي والاغتصاب، وكشفت المنظمة الأممية أن تلك الحوادث تُرتكب من قبل المقاتلين والمجرمين والمهربين ما نتج عنه حمل النساء بحسب ما ذكرت الأمم المتحدة.
” النساء يدفعن ثمن هذه الحرب” هكذا ابتدرت مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سليمى اسحق حديثها لـ SBC بشأن الانتهاكات ضد المرأة السودانية في مناطق الصراع، تقول سليمى إن العنف الجنسي المتصل بالنزاع في السودان غير مسبوق لأن كل أشكاله حدثت للنساء سواء استرقاق جنسي أو قسري أو بيع في الأسواق ومداهمة المنازل، ويستخدم الاغتصاب أداة انتقام “مع أن النساء اتخذن كل التدابير لتحميهن من هجمات المقاتلين، وبالرغم من ذلك حدث هجوم على المنازل ولم تكن من طريقة لتفادي ما يحدث”. وكشفت مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل عن 143 جريمة اغتصاب في الخرطوم وغرب وجنوب دارفور، واستدركت ” هذه الاحصائية لم تُحدّث ولم تضاف حالات جديدة نسبة لانقطاع شبكة الاتصالات ما تسبب في وقف التبليغ عن الحالات”. وبخصوص حالات الاسترقاق في الخرطوم أوضحت سليمى أن الحالات التي رُصدت هي لنساء تم خطفهن واقتيادهن إلى أماكن مجهولة داخل الخرطوم حيث قام الخاطفون بالاعتداء عليهن جنسياً وتم اقتيادهن إلى أماكن معينة داخل العاصمة، وهناك قاموا بالاعتداء عليهن واسترقاقهن.
وبموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يعتبر الاستعباد الجنسي جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. ويعدّ الاغتصاب والإكراه على البغاء، وأية صورة أخرى من صور خدش الحياء محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني خلال النزاعات الدولية والداخلية بحسب اتفاقيّة جنيف (4 المادة 27). وبموجب إعلان بيجين لسنة 1995، التزمت الحكومات ” بملاحقة ومعاقبة مرتكبي الاغتصاب وأي شكل من أشكال العنف الجنسي ضدّ النساء والفتيات في حالات النزاع” وأدرجت هذه الأفعال على أنها جرائم حرب.
التمييز سلماً وحرباً
مراقبون تحدثوا عن أن الحراك النسوي وتمكين حقوق المرأة في السودان بدأ يستعيد عافيته خلال فترة الحكم الانتقالي بعد ثورة ديسمبر، لكن لشذى المهدي رأي آخر، فهي ترى أن حكومة حمدوك الانتقالية لم تكن على قدر المسؤولية في التعامل مع النساء، على الرغم من المشاركة النسائية الكبيرة إبان الثورة والتي مهدت للانتقال لحكم مدني انتقالي ” تسيد فيه الرجال المشهد” وأضافت شذى باستغراب “حتى في حكومة الدكتاتوريات كان المشهد المتعلق بمشاركة النساء أكثر نصاعة”! واستدلت شذى بحكومة جعفر نميري وكثافة تمثيل النساء في البرلمان، وأضافت لم يتم استيعابهن من كل القوى ديموقراطية أو غير ديموقراطية في الحل السياسي لتحقيق السلام.
وكان مجلس الأمن اعتمد في أكتوبر 2000 القرار (1325) بشأن المرأة والسلام والأمن الذي أكد على أهمية دور المرأة في منع الصراعات وحلها، وحفظ وبناء السلام وفي إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع، كما شدد على أهمية مشاركتهن على قدم المساواة مع الرجل في الحلول السياسية ومشاركتهن الكاملة في جميع الجهود الرامية لصون وتعزيز السلام والأمن. تقول شذى إن السودان وقع على هذا القرار ومع ذلك لم يطبق، وأضافت أن مشاركة المرأة في إيجاد حل للصراع الحالي لم يتجاوز الـ 30 في المئة وهو ما قررته تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم). لماذا تحديداً 30 وليس 32 أو حتى 25؟ هكذا تساءلت المدير القطري لمركز المشروعات الدولية الخاصة بالسودان التي أكدت على أن التجارب أثبتت قدرة المرأة السودانية على تحقيق السلام ومكافحة الفساد والحكم الرشيد. وأختتمت حديثها مع SBC بأن السودان كان متقدماً فيما يخص ملف المرأة منذ الستينيات “وتهاوى هذا الملف في العقود الأخيرة وأصبحت القوانين والمواقف التمييزية تقوض حقوق المرأة وقدرتها على العمل، وتهميشها واستبعادها من عمليات صنع القرار حتى في زمن الحرب”.




