رقمنة الوعي وميلاد المثقف الرقمي: سؤال الحرب والمعرفة ( 1 )

يشارك

اقرأ أيضا

صلاح الزين

“إنّ أدوات مثل تويتر وفيسبوك … منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط .. بعد كأس من النبيذ .. دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع.. وكان يتم إسكاتهم فورًا .. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل .. إنه غزو البلهاء!”
أُمبَرتو إيكو.

المثقف الرقمي كائنٌ أنجبَتهُ ثورة تكنولوجيا المعلومات وتقاصرَ عن بلوغ الوعي بها كمنجَزٍ تمفصلي وتراكمي.
يؤمن بسيرورة المعرفة كتجلٍ خطابيٍّ ونَصّيٍّ ولا يحفل بصيروراتها في حقل الممارسة والبراكسيس.

سِيوليُّ التفكير والخيال من غير قدرة على كتابة قصيدة واستبطان المُنزَوي والمخبوء فيما هو بصدد مقاربته. يتحدث ويكتب عن كل شيء من نظريات الفيزياء النووية مرورًا بالدوري الإنجليزي وعِلم الحديث، فلا يقول شيئًا، فيُرفِدْهُ فراغُ القولِ ذاك بشهيةٍ جامحة لتكرار فراغ القول غير آسفٍ.

فهو كائنٌ بَنكّيٌّ محشوةٌ مخازنُ عقلِهِ بأدراجٍ تتوزعها معلومات تتجاور في إلفةٍ لا يجمع بينها سوى رائحة نشارة الخشب ومهارة النجار.

هكذا هو، إبلاغيٌّ معنِيٌّ بتصدير المعلومة لا شجرةَ نَسَبها وتُربتها ومصادر سُقياها، ولا يقيم وزنًا لسوسيولوجيا الخبر في حِلِّهِ وترحاله.

بستانٌ يعجُّ بالورود من كل صنف ولون من غير رائحة تُرشِدُ النحلَ لِما نُذِرَ له من صنعةٍ والذبابَ من تطفلٍ. فهو لا يرى إلى اكتمال القول في نقصانه، والفكرة فيما حجبتهُ ظلالُها. فهو إسفنجةُ يقينٍ ومخدةٌ لِوسَنٍ لا توقظه شمس الشك والارتياب كما حجرٍ على تلةِ هاوية.

وبنزوع العقل التجميعي ذاك، المثقف الرقمي يعرف كل شيء من غير أن يعلم أي شيء. مثلًا: يعرف أسباب التصحر المناخي وفي ذات الآن لا درايةَ له بكيفية تكَوُّن تلك الأسباب دعك عن استئصالها.

ولأنه يخاف العزلة تتضخم عنده “غدة الاصطفاف” ويصبح اصطفافيًا، إنقاذًا وإبراءً للذمة من غير أن يتلمَّس تضاريس وطبوغرافيا الحائط المستنِد عليه أو السرج الذي اعتلاه.

يُرجِعُ أسباب الحرب لمن أطلق الطلقة الأولى لا البحث عن شجرة نَسَبِ الطلقة تلك ولا شهوات الوالدَيْن في الإنجاب والسلالة. يخشى التعقيد ويطمئن إلى سهولة الإجراء التي تُخرِجه من وعثاء قراءة الظاهرة في سياقها كبِنيةٍ خطابيةٍ سيروريةٍ ومتحولة.

يشدهَهُ النص ويأخذ بِلُبِّهِ فيستغرق فيه ويعزله عن السياق فيصير النص عاريًا من اشتراطاتٍ لازمةٍ له، بها يكون بِعَوُرَةٍ كعَورة الشمس منتصف النهار. لذلك يرى إلى الحرب كما يرى الصياد إلى قوس سهمه لا موضعَ الفريسة: مباراة بين فريقين بذات الأزياء واختلاف المرمي وصافرة الحكم.

وفي تيهِهِ ذاك يُعفي نفسه من المسؤولية حتى تجاه ذاته: كائنٌ مستقيل ومترعٌ بالزهد في كل شيء، زاهدٌ وفقط، وغير معنيٍّ بالمخطوطة (draft)، مخطوطته وما خطَّهُ قلَمُهُ ولا حتى بعد غسلها بمكنات الطباعة والرَّصف. فهو يرفل برضىً وسرور في مأزق الوحلان في الآني والراهن لا الذي يليه، كدابةٍ غير معنية بما بعد “صقع الجرة”، فالزمن عنده ماضٍ لا يمضي وحاضرٌ لا يغادر.

يكابدُ الإرهاقَ الشاشاتي (screen fatigue) المعلوماتي والركضَ خلف المعلومة من غير الاهتمام بالبحث عن الخيط والناظم السري بين تلك المعلومات وأخرى مجاورة تُناقِضها وتسلك دربًا مختلفًا: بالضبط، كما النمل، هو كائنٌ تجميعي غير معنيٍّ، في كثير أو قليل، باختلافِ حتى الصياغة والسياق.

كائنٌ إبلاغيٍّ بالمعكوس يُبلِغ ولا يَبلُغ. راضٍ عن ذاته وسعيدٌ حد التماهي بالنزعة الكاثارساسية التطهيرية للمسرح الأرسطوطاليسي والخلاص الفردي والرضى عن الذات.
يخرج من مسرح المعلومات الشاشيَّة كما يَخرُج الماءُ من الماء، الماءُ من السراب أو العكس. إذ هو ينعم بعقلٍ غير مجبول أو حتى معْنيّ بالاقتصاد السياسي للمعلومة إنْ كانت إبلاغيةً أو نصًا مطولًا. معنيٌّ أكثر بالإثارة وعقلها الذي يرى للإثارة لا التوضيح المسبب فيعلو كعب الغريزة على سهول العقل والفكرنة.

وفي أوديستِهِ تلك تفتنُهُ الإحصائيات لا ما سكتت عنه الإحصائية وما أومأت به: تنقصُهُ مهارات لغة الإشارة!!
فهو كائنٌ قنوع (القناعة كنز لا يفنى) قنوعٌ بما يرى وتُبلِغُهُ به الشاشة: فخيرِ الكلام ما قلّ ودلّ.
لا يقارب المعلومة كوحدةٍ في خطابٍ فيه يكابدُ منهج الإبلاغ بإخفائها لتكون تلك المعلومة عاريةً وحافيةً من سروال الخطاب ونِعلَيهِ مثل التعاطي مع سؤال الحرب وأطروحتها كحربٍ بين طرفين لا حربًا متدثرة بعباية خطابٍ واحد تجاه خطابٍ آخر ترى فيه ما يراه الغزال في عينَي ذئبٍ جبليٍّ جائع.

يمتاز هذا الكائن، أعني المثقف الرقمي، بعقلٍ معلولٍ بالسرد كحَكيٍّ لا السردية كبنيةِ خطابٍ ومن ثم تمطر غُيومُهُ إداناتٍ مسنودة بحوائط شبحية، لا صمديةَ لها لسرعة ملاحقة ما تقذفهُ الشاشة من معلومات تأخذ بخصر بعضها.
فهو يرى إلى السياسة كمصطلحٍ لا ممارسةً معنيةً بفصلِ الغبارِ عن الريح حتى يكون الأول مهدَ بذرةٍ والأخير حاملًا وموصلًا (conduit) ذات البذرة لطين آخر. فهو مثلًا، يرى إلى القصيدة كمجموعةِ مفرداتٍ لا بِنيةً نصيةً بشبكةِ إحالاتٍ فيها الخجولُ والمخفيُّ والصامت وذاك الفقيرُ في وضوحهِ والإبانة والمغسولُ في ماءِ جدليةِ الخفاء والتجلي.

ينماز عقل المثقف الرقمي ويمتاز على العقول الأخرى المجاوِرة بلازمةِ المغالطة لا المحاججة وذلك لأن وسادة المعلومة عنده ترقد فوق ملاءة الذاكرة لا شجرة نَسَبِ المعلومة في بنية الخطاب. فالتحرر من المعلومة وتحاشي الوقوع في شراك استعبادها لا يكون بالارتهان للقراءة الشذرية، النص/الكتابة الشذرية.

كما ضرورة الانهمام بالحمية الغذائية لضرورات صحية، كذلك يهتم المثقف الرقمي بالحمية المعرفية لضرورات الصحة العقلية وتثليم إبر السؤال والخلود إلى اليقين والماثل.. والله ما شقّ حنكًا ضيعو !!

وعلى هدى “خرفان بانورج” يفتتن هذا المثقف بالسباحة في ماء النزعة والترند (trend) الماثل والعابر.
ولأنه هكذا كائنٌ رقمي و”تِرندي” دومًا يلازمه الإحساس بنقص الكينونة والخذلان فيشحذ سيوفَهُ لمحاربة داء النقصان ذاك بالابتهال للشاشة واستمطارها مزيدًا من سيل المعلومات لتكتمل كينونتهُ ويسعَدُ بكمالِ اكتمالهِ في نقصانهِ كما رَوى ويَروي التاريخ.
وبذلك، بذلك فقط يكتسب المثقف الرقمي صفةَ كائنٍ تاريخي، مثله ومثل عباد الله الآخرين.

ومن هنا ضرورة محاكمته مثل الآخرين تحت شجرة التاريخ، إنْ صيفًا أو شتاءً. على الأقل، ضرورة مساءلة ذاك العقل ومسامرته حتى، إنْ لزم الأمر، لأنه يرى إلى الحرب لا في سياق تجليات الخطاب وسقالاته ومحمولاتها بل كشجارٍ بين فصيلين ومِن ثم يغفل تخطيب تلك الحرب، أيْ مقاربتها كخطاب، في انتظار ما تجود به الصدفة من ظهور “حَجّازٍ” بِمروءةٍ وشكيمة للفصل بين الخِصمين المتشاجِرَيْن وزَفّ كل قرد إلى جَبلِهِ، لتبقى قرود الخطاب في انتظار جولاتها القادمة ومافي حد أحسن من حد !!!