رسوم ترامب تربك الجمهوريين والكونغرس يتردد في مواجهة الرئيس رغم صلاحياته الدستورية

يشارك

اقرأ أيضا

SBC: بروكسل
مع تراجع الأسواق المالية عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حزمة رسوم جمركية واسعة النطاق، سادت أجواء من القلق في أروقة الكونغرس، حيث عبّر عدد من الجمهوريين عن انزعاجهم، وبدأوا الحديث عن استعادة سلطتهم الدستورية في فرض الرسوم. ومع ذلك، لم يبدُ معظمهم استعدادًا فعليًا لتحويل هذه التصريحات إلى خطوات عملية.
ورغم أن ترامب ضرب عرض الحائط بالمبادئ التقليدية للحزب الجمهوري، وعلى رأسها دعم التجارة الحرة، لم يظهر كثير من المشرّعين نية لمعارضته. بدلاً من ذلك، ركّز الجمهوريون جهودهم على تمرير مشروع قانون “جميل وضخم”، يتضمن خفضًا ضريبيًا كبيرًا وتقليصًا للإنفاق، متجاهلين تداعيات الرسوم التي قد ترفع الأسعار على المستهلكين وتدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.
وفي ظل ارتدادات القرارات الجديدة على الأسواق العالمية، حاول زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثيون، الذي لا يُعرف بتأييده للرسوم، التخفيف من وقعها بالقول إنه سيمنح الرئيس “فائدة الشك”، على أمل أن تكون هذه الخطوة مجرد أداة ضغط على القادة الأجانب للتفاوض بشأن اتفاقيات تجارية أفضل.
من جانبه، صرح السيناتور الجمهوري جون باراسو بأن “الرئيس مفاوض بطبيعته، وسيواصل التعامل مع كل دولة على حدة”، مضيفًا أن وزير الخزانة الأمريكي أبلغهم بأن الرسوم المفروضة ستكون مجرد “سقف تفاوضي” قد يُخفض لاحقًا ما لم تقم الدول الأخرى بالرد بالمثل.
لكن الدول الكبرى، مثل الصين، لم تتأخر في الرد عبر فرض رسوم جمركية مضادة، بينما تمسك ترامب بموقفه المتشدد، مغرّدًا على وسائل التواصل الاجتماعي: “سياساتي لن تتغير أبدًا”، مؤكدًا أن المستثمرين الأجانب يتهافتون على الاستثمار في الصناعات الأمريكية، فيما كان يقضي يومه في ملعب الغولف قرب ناديه الخاص في فلوريدا.
في المقابل، بدا الكونغرس متوجسًا.
عدد محدود من الجمهوريين انتقدوا استراتيجية ترامب، واعتبروها عبئًا على الأسر الأمريكية. وقال السيناتور ميتش ماكونيل، الزعيم الجمهوري السابق في مجلس الشيوخ: “كما حذّرت مرارًا، الرسوم الجمركية سياسة سيئة، والحروب التجارية تضر بالعمال قبل غيرهم”.
وقد صوّت ماكونيل وثلاثة جمهوريين آخرين مع الديمقراطيين لتمرير قرار يلغي الرسوم المفروضة على كندا، في تحدٍ مباشر للرئيس، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان ترامب عن ما أسماه “يوم التحرير”. لكن رئيس مجلس النواب، الجمهوري مايك جونسون، أشار سريعًا إلى أنه لا يعتزم طرح القرار للتصويت.
ويعكس هذا التردد الانقسام داخل الحزب الجمهوري بشأن السياسة التجارية. ففي حين يعارض كبار الجمهوريين الرسوم، يدافع بعض الأعضاء الشباب بشدة عن سياسة “أمريكا أولاً”، معتبرين أنها السبيل لإحياء الصناعة الوطنية.
السيناتور جوش هاولي، من ولاية ميزوري، عبّر عن دعمه الكامل للرسوم، مؤكدًا أن العمال في ولايته “متحمسون للغاية”، مضيفًا أن المزارعين يريدون “صفقة عادلة” في علاقاتهم التجارية مع كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي.
أما الديمقراطيون، فقد وجّهوا انتقادات لاذعة للرسوم، واعتبروها مجرد وسيلة لجمع الأموال اللازمة لتمويل التخفيضات الضريبية التي يسعى إليها ترامب والجمهوريون.
وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر: “لماذا يرفع الرئيس التكاليف على العائلات الأمريكية بمقدار 5,000 دولار كما تشير التقديرات؟ ببساطة، لأن أصدقاءه الأثرياء يريدون خفضًا ضريبيًا أكبر”.
وحثّت السيناتورة الديمقراطية إيمي كلوبوشار المزيد من الجمهوريين على مواجهة ترامب، قائلة: “إذا كانوا يؤمنون حقًا بالرأسمالية، فعليهم أن يصوّتوا وفقًا لمبادئها، لأن المنافسة والعلاقات الدولية تعمل بفعالية”. وأضافت: “دونالد ترامب يعيدنا إلى حقبة الكساد الكبير”.
السيناتور الجمهوري راند بول، المعروف بتوجهاته الليبرتارية، كان من أكثر المعارضين صراحةً للرسوم، محذرًا من أن السياسات الحمائية قد تعيد إنتاج الأزمات الاقتصادية التي فاقمت الكساد الكبير. ويدعو بول إلى تشريع جديد يمنح الكونغرس صلاحية المصادقة على أي رسوم جمركية جديدة.
في خطوة تهدف إلى الحد من سلطات الرئيس في هذا المجال، طرح السيناتور الجمهوري المخضرم تشاك غراسلي مشروع قانون مشترك مع الديمقراطيين، يلزم الرئيس بتبرير أي رسوم جديدة أمام الكونغرس، ومنح النواب 60 يومًا للموافقة أو تُلغى الرسوم تلقائيًا.
ورغم تأكيد غراسلي أنه يعمل على هذا المشروع منذ فترة، فإن توقيت طرحه يُفسر على أنه رسالة سياسية ضمنية. وهو ما اعتبره بعض الجمهوريين فرصة لإعادة النقاش حول الصلاحيات الدستورية، إذ أن الدستور الأمريكي يخول الكونغرس سلطة فرض الضرائب والرسوم، لكن هذا الدور تراجع كثيرًا خلال القرن الماضي.
عدد من الجمهوريين أعربوا عن تأييدهم لمقترح غراسلي، لكنهم حذّروا من أن التصعيد ضد ترامب في هذه المرحلة قد يكون غير مثمر.
وقال السيناتور الجمهوري مايك راوندز: “لا أريد المضي في هذا الأمر وسط مناخ سياسي مشحون”، مضيفًا: “لكنني أتفق تمامًا مع أن المؤسسين أرادوا أن تكون هذه من صلاحيات الكونغرس. لقد تجاوزنا بالفعل ما كان يتخيله الآباء المؤسسون”.
وفيما عبّر الديمقراطي براين شاتز عن استيائه من تردد الجمهوريين، كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن الكونغرس كان ليُقيّد سلطة فرض الرسوم “لو صوّت كل سيناتور حسب ضميره ومصلحة ولايته”، مضيفًا بسخرية: “الجميع يكره هذا الأمر، لكنهم يخشون الملك المجنون في الوقت الراهن”.
وختم السيناتور الجمهوري جون كينيدي بمثل شعبي لافت قائلاً: “الرسوم الجمركية مثل الويسكي: القليل منها في الوقت المناسب قد يكون منعشًا، لكن الكثير منها في الوقت الخطأ قد يجعلك ثملاً كالعنزة”.