محمد فاروق سلمان
أحداث كثيرة انشغل بها الراي العام عما جرى في العاصمة البحرينية من لقاء بين قيادة الجيش والدعم السريع وعلى مستوى “الرجل” الثاني في كلٍ، وكأنما انشغال كثيرين من الحركة السياسية المدنية بإنهاء الحرب لم يكن ليشغله لقاء على هذا المستوى، او تناول رغبة الطرفين في اللقاء لوضع حد لها خلاف اللقاء في جيبوتي بين القائدين. ليغطي اللقاء في أهميته فعلا على دعوة تنسيقية القوى المدنية (تقدم) للقاء الطرفين، وحتى على توقيعها على إعلان مبادئ مع احد الطرفين، والتي سبقتها دعوة من الآلية الوطنية، للقاء الطرفين للتشاور حول مبادرة معلنة من طرفها، وقد التقت الآلية الوطنية بالفعل برئيس مجلس السيادة، قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، وأكدت الأستاذة عائشة موسى العضو السابقة في مجلس السيادة، (ورئيسة وفدها الذي طرح المبادرة في اللقاء مع البرهان)، عن سعيهم للقاء قائد الدعم السريع من بورتسودان ولوسائل الإعلام السودانية. بينما تسعى الكتلة الديمقراطية لإنهاء الحرب أيضا عبر موقف اهم الأطراف الحاملة للسلاح في اتفاق جوبا للسلام (حركة تحرير السودان بقيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل)، من خلال موقفها المحايد في الحرب وحتى الان، بخلاف عضو الكتلة ونائب رئيس مجلس السيادة/ مالك عقار اير الذي يشارك بقواته مع الجيش، وذلك رغم وجود قواتهما في مدينة الفاشر التي تهددها الحرب، ولا للحرب أيضا، بدرجة تجعل المواطنين هناك تحت رحمة زناد فرد واحد من أي من الأطراف، والتي لا يبدو أنها طرفين فقط هناك، خصوصا بعد وصول الفاشر كل من د. الهادي إدريس والطاهر حجر المقالين من مجلس السيادة والمنتقلين من كتلة سلام جوبا الديمقراطية الى كتلة المجلس المركزي وفق ترتيبات (الإطاري) التي سبقت الحرب، واعتبرها البعض مقدمة لها، وان كانت الحرب إعلان عملي عن فشل الجهود السياسية من قبل الجميع لتفاديها. فقد ظلت مقدماتها بعيدة عن الحركة المدنية السياسية، وحتى قوى الكفاح المسلح سواء التي وقعت على اتفاق جوبا، والتي لم توقع أيضا، بُعد هذه المقدمات للحرب أيضا عن قدرة “فلول” النظام السابق على إشعالها، مهما رغبوا في ذلك ومهما بدا هذا السيناريو الأريح عند الجميع لتبرئة الطرفين المتقاتلين من الحرب! وحتى المريح لبعض أركان النظام السابق وفق تصورهم لحرب سريعة تعيدهم للمشهد وتقضي على ثورة ديسمبر المغضوب على سلميتها من قبل الجميع فيما يبدو!. وان كان اشتعال الحرب بدا كأمر حتمي مؤجل من قبل سقوط البشير وفق تنامي طموحات قائد الدعم السريع، إلا أن الأهم في اشتعالها كان اضطراب مفهوم دعاوي احتكار الدولة للعنف، والتناقضات داخل المؤسسة الأمنية والنظام العسكري وانضباطه في الدولة، والتي خلقها نمو الدعم السريع من قبل النظام السياسي السابق، واطراد هذا النمو في فترة الانتقال المضطرب، حتى بات تحاشي الحرب امر بيد الدعم وحده: أما القبول بالتحول لمؤسسة تخضع للدولة وحكم قانونها، ولا تتبع لاي شخص، أو أن تخضع الدولة للدعم السريع وقائده.
إذا كان اللقاء بين الطرفين لإنهاء الحرب هو المهم، فقد تم هذا اللقاء في عاصمة البحرين المنامة. وإذا كان فشل لقاءات جدة قد ارتبط بشكل أساسي بقدرة الطرفين ورغبتهما- كلاهما وليس أحدهما باي حال- في إنهاء الحرب، فان الرغبة تبدو واضحة في اللقاء الذي تم في البحرين، حتى لو أراد بها البعض أن تتبدد بالكيفية التي تم بها الكشف عن اللقاء نفسه. الثابت أن القدرة غير متوفرة بعد، وعند الطرفين هذه المرة، لإنهاء الحرب، والمتغير في لقاء المنامة أن القدرة على المواصلة في الحرب أيضا تناقصت، وان الأهداف المرجوة منها عند كلا الطرفين قد تراجعت فيما يختص بدعاوى أو مخاوف الخطاب السياسي المدني حول أطماع قيادة الجيش وقائد الدعم السريع في السلطة؛ فالجيش لم يحقق نصرا عسكريا ساحقا يعود به قائده ككمال أتاتورك، ليس بالضرورة مجددا لأمجاد الإمبراطورية “الإسلامية” العثمانية، ولكن باعثا بآمال القومية التركية كزعيم شعبوي واضعا حداً للنيل من تركيا نفسها كمآل للنيل من تركة الإمبراطورية الأخيرة في العالم الحديث، وفق صيرورة التاريخ، لحقته اليها وفق نهاية العقيدة الكولونيالية دول أوروبا غير المريضة أيضا*. أما الدعم السريع فخسائره السياسية طغت على تمدده العسكري، وصاحب زخم انتصاراته وصمة أخلاقية لحرب السلب والمغنم التي ينتهجها كمحفز وعقيدة قتالية عند أفراده، لا تشكك فقط في قدرته مستقبلا على الانفراد- أو المشاركة حتى- في التقرير على مصير الحكم في السودان على ما تبقى من دولة ٥٦ (والتي اصبح تفككها واقعا منذ ٢٠١٠ وليس الآن فقط)، ولكنها باتت تهدد مستقبل وجوده كما في السابق، أي قبل الحرب، كقوى نظامية (وجزء من المكون العسكري حسب الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا)، يمكن أن تخضع لحكم القانون، ناهيك عن أن تؤتمن على إنفاذه! وهذه من العقبات التي ستواجه أي سيناريو لإنهاء الحرب بعيدا عن طموحات قادتها (أو جنرالاتها وفق سيناريو حرب الجنرالين المختل): مسالة دمج القوات مستقبلا وإصلاح القطاع الأمني والعسكري وفق استيعاب نفس الأفراد الذين هددوا المواطنين واستباحوا ممتلكاتهم ليكونوا حماةً لهم!! وان لم يكن الجيش السوداني نفسه وفق سياق الصراع السياسي الاجتماعي السوداني في دولة ما بعد الاستقلال بمنجاة من الاتهام بتهديد حياة وكرامة مواطني دولته! فقد ظلت ممارسات الدولة نفسها تاريخيا شكل متصل من الانتهاكات وفق تشوهات الاجتماع السياسي عندما، كاجتماع إكراه وليس تراضٍ لم يكن للجيش من بُد في أن تكون يده هي العليا في هذا الإكراه، كالقوة الأولى في الدولة بموجب “القانون”، وكون الدعم السريع نفسه سلسلة من سلاسل هذا العنف المملوك للدولة، وأحد أبرز إنجازاتها وفق سياق الماضي، وتشريعات قوانينه أيضا، والذي صار أقرب لتملكها كما في سيناريوهات تغول الجيش على السياسة، مهما نظرنا اليه كتعبير فج عن العنف وحده، إنهاء تهديده لوجود الدولة يتم بإنهاء دورات العنف في الدولة لا بالتبشير بدورة أخرى. والتي يمكن أن تكون الحرب الحالية دورة العنف الأخيرة فيها. فالخيار الآن بين الدولة والحرب، فهي ليست حرب بين طرفين؛ ولكنها مواجهة بين مسارين للتاريخ، ومفترق وجهتين؛ نهاية الدولة أو نهاية العنف فيها.
ظل ترديد مخرجات ما اتفق عليه في جدة عقبة أمام المفاوضات بأكثر من شكل، وعند الطرفين، وبعد أن كان واضحا تلكؤ الدعم السريع في الوصول لحل سياسي بتوسيع دائرة حربه، وهو نشاط يتعارض بداهة مع تغليب خيار إنهاء الحرب سلما مهما بدا التصعيد العسكري جزء من أدوات التفاوض عند البعض!، ظل الاتهام دائما للجيش بالممانعة، وهو اتهام لا يمكن أن تسنده مجريات إنفاذ ما تم الوصول اليه من اتفاق في جدة، أو الالتزام ببنوده، والذي تم على فصلين، الأول في مايو ٢٠٢٣، عندما تم توقيع إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين، والذي وصف كاتفاق على القضايا الإنسانية، وهو: اتفاق مبادئ أولي للالتزام بالامتناع عن أي هجوم عسكري قد يسبب أضرارا للمدنيين”، والتأكيد على “حماية المدنيين”، واحترام القانون الإنساني والدولي لحقوق الإنسان، حيث أكد مسؤولون أميركيون ـ- حسب تصريحات لقناة الحرة الإخبارية – أنه ليس اتفاقا على وقف إطلاق النار، وبموجب الاتفاق يسمح الطرفان للمدنيين بمغادرة مناطق الصراع وحماية الاحتياجات اللازمة لبقائهم على قيد الحياة، وحماية كافة المرافق الخاصة والعامة والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية. ويشير الإعلان إلى أنه لن “يؤثر على أي وضع قانوني أو أمني أو سياسي للأطراف الموقعة عليه”، وهو لا يرتبط بـ “الانخراط في أي عملية سياسية”. إلا أن البند الأخير فيه أشار لإعطاء الأولوية للمناقشات لتحقيق وقف إطلاق نار قصير المدى لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية الطارئة، في إطار التفاوض على إجراءات أمنية محددة سيتخذها الطرفان لتأمين وصول المساعدات الإنسانية. والفصل الثاني فيه، تم في أكتوبر ٢٠٢٣، وعلّ اللافت هنا كان خروج قادة الجيش السوداني، البرهان وكباشي من الحصار المفروض عليهم في القيادة العامة بالخرطوم. كان ابرز ما جاء في استئناف هذه المفاوضات في هذه المرة توقيع الطرفين على التزامات في ورقتين منفصلتين لكل منهم، ابرز ما جاء فيها، حسب تناول أطراف وطنية لها، وليست أهميتها بالضرورة كان؛ خروج الدعم السريع من منازل المواطنين و”الاعيان” المدنية، وتسليم الهاربين من المحكومين في السجون، وهو ما تم تفصيله على منسوبي النظام السابق، رغما عن وجود تهديد حقيقي للأمن أيضا من هروب أو تهريب محكومين من معتادي الأجرام وآخرين في قضايا الإرهاب ممن يعتبروا الآن وقودا للحرب وأيضا من أسباب الانفلات الأمني الواسع الذي تشهده أماكن تمدد قوات الدعم السريع، (وليس السبب الوحيد طبعا وفق ممارسات هذه القوات نفسها، وهو امر لم تتم الإشارة اليه ابدأ في أي مفاوضات حتى الآن!). لاحقا ألزمت الوساطة كما طالبت الأمم المتحدة الطرفين لإيجاد وسيلة للتواصل بينهما لتنفيذ اتفاق جدة، فلضرورة وصول المساعدات الإنسانية، لا بد من وجود تنسيق بينهما على الأقل لعبور المناطق الخاضعة لسيطرة اي من الطرفين، وقد كان من ضمن التزامات الجيش في أكتوبر تسهيل إجراءات عبور المساعدات الإنسانية عند نقاط الجمارك والموانئ، وهو ما اعتبر ضروريا لمد أسباب الحياة في مناطق النزاع مع توقف أوجه النشاط الإنتاجي للغذاء وتراجع قدرة السودان على مواجهة الأوبئة أيضا**.
كشفت قمة الإيقاد المرجوة بين القائدين في جيبوتي أكثر عن عدم رغبة الدعم السريع في الانخراط فورا في مسار تفاوضي، وآثر قائده، بعد ان انهى ظهوره الجدل حول وجوده حياً، تحقيق تقدم سياسي وديبلوماسي لتجاوز خسائره السياسية المؤكدة، خصوصا بعد تمدد الدعم السريع في ولاية الجزيرة وسقوط مدينة ود مدني دون قتال، دون أن يمنع هذا من استمرار نهج الانتهاكات من هذه القوات. وبعيدا عما كان يمكن أن تحققه هذه القمة والسذاجة في النظر للقاء القائدين كبديل عن المفاوضات التي يمكن أن تتم بين الطرفين بحضور ممثلين عنهم، أتت التسريبات عن اللقاءات التي تمت في المنامة بين الطرفين وعلى مستوى عالي من الطرفين، وبحضور دولي تم وصفه بقيادة المخابرات في خمس دول، كان اللافت فيها حضور كل من مصر والإمارات، وبعيدا عن المحتوى الذي أريد بالإشارة الى طبيعة اللقاء وحضوره من خلال شكله، وإعطاؤه محتوى وفق ذلك، إلا أن الشكل نفسه شكل شروطا جديدة للوصول لاتفاق لم يفصح عن محتواه بعد، وبديلا متاحا عن لقاء جيبوتي الذي صار كالعنقاء، وفق أداء الإيقاد نفسها وتشتت جهودها وفق مستجدات آفاق توترات أخرى في المنطقة، الأزمة بين الصومال وإثيوبيا من مظاهرها ولكن ليست كل جوهرها، والأوضح أن كل ما أثير من تسريبات حول اللقاء البديل هذا في المنامة قصد منها التضليل عن المحتوى. فقد صادف أن كثير من الأطراف المدنية التي تدعو لوقف الحرب، وتلك التي تريد أن تحتكم اليها، قد اتفقت لأول مرة على القفز فوق لقاء المنامة بين الفريق/ شمس الدين كباشي وقايد ثاني الدعم السريع والفريق فيه/ عبد الرحيم دقلو، ورغم ترحيب قوى الحرية والتغيير في السابق باتفاق جدة في فصليه إلا أنها آثرت الصمت والتحفظ الآن. بينما بالغ الأستاذ/ مزمل أبو القاسم، وهو صحفي رياضي، كان صاحب السبق في الإعلان عن اللقاء، في استخدام منصة “العارف بالأمور”، بالقفز الى تحديد محتوى اللقاءات. بقصد جهات التقليل من أهمية اللقاء، والالتفاف حول محتواه الحقيقي بغية إفساده. وبدلا من مطالبة الأطراف المدنية والسياسية بالشفافية في الإعلان عما تم الوصول اليه في مفاوضات المنامة، نشط الجميع في معرفة ما دار والاستعداد لنشر نسخة تخدم أغراضه وليست أسباب إيقاف الحرب أو حتى الاستمرار فيها. وستحفل مقبل الأيام بتناول مضطرب لما دار ومتناقض أيضا، وهو ما تسمح به طبيعة هذه اللقاءات السرية، في حال عدم الإعلان عنها فور الوصول لاختراق عبرها، هذا إذا لم تنجح الأطراف المدنية الفاعلة الآن في كيل مزيد من التراب على اللقاء والعمل على إبقاءه طي الكتمان.
المقصود دائما من اللقاءات السرية الوصول لنقاط التقاء حقيقية، تمهد لنجاح حقيقي للمفاوضات، وليس خلق دعاية سياسية قبل أوانها، ومع كل التحفظات حول مسألة الشفافية، إلا أن المفاوضات المعلنة نفسها لم تكن ابداً تعبيرا حقيقيا عن الشفافية أو الالتزام بها، بالعكس فقد ظلت التصريحات للأطراف في أي عملية تفاوض معلنة (وليست حصرا على التجربة في السودان) هي استمرار للاشتباك وتهديد لعملية بناء الثقة، وتقع أي مفاوضات معلنة تحت ضغط عدم الوثوق في الخيارات الحالية، أي الاشتباك، كيفما كان شكله، وبدلا من أن تمضي في اتجاه تفكيكه نجدها تبحث سبل تأكيده، أو على الأقل تأكيد مكاسبها منه! وهذا مما يزيد من كلفة الحرب أحيانا وفق عملية التفاوض، والتي تجعل منه استمرارا للحرب بشكل أخر، يحتاج تأكيد المكاسب فيه توازن عسكري، لا يهم إن كان ضعفا أو قوة، ولكن المهم إن يتصف الطرفين إما بالقوة أو بالضعف حسب الميزان العسكري وحده، وليس شروط إنفاذ القانون أو صون الحقوق والالتزام بالعدالة كأسس للاتفاق -في أي صراع اهلي- لا القوة التي ستقذف بنا حتماً لاتفاقات شراكة السلطة والعفو غير المشروط ونقص العهود والمواثيق وإرث نقضها مجددا!
عادة ما تبحث أي مفاوضات سرية بشكل حقيقي أولا إسقاط الخيارات الحالية، بمعنى وصول الأطراف لقناعة عدم جدوى الاشتباك العسكري أولا، وهو شيء لا يمكن الوصول اليه كما أسلفت من خلال تفاوض معلن بين الطرفين، وان كان ممكنا لو انه لدينا حركة سياسية تنطلق من موقف مبدئي ومن خلال إجماع حقيقي رافض للحرب، وهو شيء نفتقده مهما توفرت النوايا وشروط السياسة نفسها لتخلق موقف كهذا داخل الحركة السياسية المدنية الآن، على الأقل وفق الاتهام المتبادل بين طرفين مدنيين أساسيين في انقسامنا المدني المعاصر، فان صدق أي منهم سقط هذا الإجماع المنشود، وقد تسهم مالات الحرب الآن في إيجاده، لكن كلفة الحرب الآن أولى بكفها عن كف اشتباك المدنيين حتى لو صار بالأيادي. يبقى أمامنا وصول الطرفين الذين يقودون الحرب الى إسقاط خيار الحرب كقناعة، وفتح الطريق أمام مسار تفاوضي، وهو ما تم بشكل أكثر وضوحا في المنامة بعيدا عن جسر الملامة الذي أقامته الحركة السياسية وسور الندامة الذي حبستنا فيه القوى العسكرية. وبشكل سيكون متاحا للجميع، وهو فعلا كذلك بدرجة كبيرة، فقد ناقشت لقاءات المنامة إعلان مبادئ اكثر تقدما من إعلاني جدة في مايو وأكتوبر، من حيث انتقاله من خانة مخاطبة القضايا الإنسانية وحماية المدنيين في واقع الحرب لمخاطبة سبل إيقاف الحرب، وعبر أربعة ملامح، يمكن أن نقول رئيسية، خاطب إعلان المبادئ الذي كان العمل على الوصول اليه في لقاءات المنامة الوضع في السودان:
وقف فوري لإطلاق النار،
خروج كل القوات من المدن والعودة لمقارها العسكرية، وهو ما يعني وضع القوات على ما كانت عليه قبل ١٥ أبريل، وخروج الجيش والقوات المسلحة الأخرى من السياسة بشكلٍ نهائي،
تكوين حكومة تكنوقراط مدنية لإدارة الانتقال وانخراط الحركة المدنية في عملية سياسية وصولا لمبادئ الدستور والقانون التي ستحكم التداول السلمي للسلطة وإجراء انتخابات.
انخراط الجيش والدعم السريع والقوى المسلحة الأخرى وبدعم فني أممي ودولي للوصول لجيش مهني في السودان.
وهي كنقاط رئيسية صالحة كعناوين لتفاصيل مهمة كثيرة، ولكن ما يهم أنها تصلح بدايةً كشروط لنهاية للحرب، وليس كل الشروط اللازمة لمستقبل السلام، فالأولوية يجب ان تعطى لشروط إنهاء الحرب الآن وفق قاعدة لعبور الجسر علينا الوصول اليه أولا. دون ان يكون هذا اسقاطا لاي من القضايا التي يعتقد انها مهمة، او تحديداً تلك التي خلقتها الحرب والانتهاكات التي صاحبتها.
لأول مرة لم تستطع قيادة الجيش أن تدافع عن المبادئ الأولية التي تم الاتفاق عليها في المنامة، وليست لأنها منقسمة أو أن (كباشي) يدعم الحل التفاوضي و(برهان) خاضع لسيطرة الفلول، وبالتالي هو إما لا يملك قراره، وهنا يطالب بعض الغلاة في معسكر الحرب بضرورة عزله، حتى من غير الإسلاميين ومن المحسوبين على معسكر الثورة بعد ان قسمته الحرب، أو أن قراره هو الحرب وفق طموحات سياسية داخل غالب القيادة العسكرية في السلطة، لا تختلف عن طموح حميدتي نفسه، وذلك وفق سيناريو حرب الجنرالين غير المستقيم. وحميدتي أيضا ولأول مرة ووفق تقديري يكون راغب في إنهاء الحرب ولكنه غير قادر! وهنا لا بد من أن أشير الى انني كنت دائما من المقتنعين، وخلاف لما يتم تصديره كموقف مدني!، بان حميدتي قادر على القبول بإنهاء الحرب لكنه غير راغب، وان قيادة الجيش ظلت، وربما لا تزال، راغبة في إنهاءها ولكنها غير قادرة؛ فقدرة الجيش كمؤسسة على إنهاء الحرب ظلت متأثرة بإرث مؤسسي (ومهني) صارم في التعامل مع (قواته) الصديقة، فالنظرة اليها دائما بانها (دون) الجيش، ولم يكترث الجيش قطعا بكونها وليدة ظروفها، وآثر التصديق بأنها صنيعته. وقد تنازل الجيش عن هذا الإرث في حالة الدعم السريع من قبل، ومنذ تاريخ بعيد عند مواجهة موسى هلال. فقد قرر الجيش أن يتم القضاء على تنامي نفوذه بحميدتي، وهنا تجاوز لخط احمر في تكوين جيوش النخبة، إذ أن المليشيا الصديقة يتم ضبطها بواسطة القوات الرسمية فقط، ولم تسمح أي جيوش رسمية بصراع بين المليشيات التي تدعمها، إلا وكان نفوذ المليشيا هو الأعلى من نفوذ جيش النخبة ناهيك عن دعم أحداها في صراع كهذا، كما ظلت القناعة داخل ضباط وجنود القوات المسلحة بان حسم الدعم السريع سيكون مسالة ساعات فور تمرده، خلاف قيادة الجيش ومنذ أيام البشير التي تشككت في هذا، أو تأخرت، إذ بدا لها دائما أن المواجهة مع الدعم السريع ستكون مواجهة مع “البشير” نفسه، قبل أن يصطدم البشير ،-بعد عملية اعتقال الشيخ/ موسى هلال، ومكافئة قائد الدعم السريع بتوريثه قوة الشيخ العسكرية (قوات حرس الحدود) والاقتصادية (مناجم ذهب جبل عامر)-، كون حميدتي اصبح مستقلا عنه، عصيا على المواجهة! وقد ظلت بالتالي قيادة الجيش ومنذ البشير تتحاشى أي مواجهة مع الدعم السريع وتؤثر تقديم التنازلات والامتيازات لكسب رضاه، ليصبح إرضاءه مسالة أصعب مع تنامي نفوذه في مواجهة نفوذ الدولة، وتعريفاتها. بعد الثورة وعند تخوم الاتفاق الإطاري، وكنتاج لسذاجة سدنته وتعنت اهله أصبحت التنازلات المطلوب تقديمها لقايد الدعم السريع هي عين ما يمكن أن يحققه بالحرب واكثر! وبعيدا من السؤال العقيم عمن أطلق الطلقة الأولى في هذه الحرب، إلا أن هذه هي شروط الحرب الكامنة قبل انطلاقتها الحتمية في ظل تنامي طموح حميدتي وضمور خيال النخب الأخرى ودنو طموحها عن سقف الدولة أيضا مثله. بالتالي أصبحنا أمام واقع يصعب فيه على قيادة الجيش قبول إنهاء الحرب داخل المؤسسة، التي يرى أفرادها في الحرب فرصة للتخلص من وضع شاذ أصلا بالنسبة إليهم، تكفي رغبة القيادة في القبول به مجددا أو العودة اليه باي شكل للإطاحة بالقيادة نفسها، وهو امر بات واضحا منذ انقلاب بكرواي قبل انقلاب ٢٥ أكتوبر، وانتهاءا بما يبدو الآن تذمرا من ضباط الجيش وأثناء الحرب وفق ما راج مؤخرا عن اعتقالات طالت قادة فاعلين في المعارك إثر محاولة انقلاب على القيادة الحالية للجيش! بينما ظل حميدتي هو المسيطر على قواته وعبر أسرته كأنما هي إرث عائلي، يحكم انهاء الحرب رغبته هو، إلا أن استمرار الحرب طوال هذه الفترة قد افرز ديناميكيات مختلفة لم تعد فيها الكلمة الأخيرة،- داخل قوات تحارب خلف أسباب ودوافع مختلفة وقدمت تضحيات جسيمة-، لآل دقلو وحدهم، ناهيك عن كون هذه الحرب نفسها لكثير من قوات الفزع (مستنفري الدعم السريع) غاية بذاتها، وان مسالة السلام قد تصطدم بكل هؤلاء داخل الجيش والدعم السريع أولا، وبشكل أكثر تهديدا الآن على قدرة الطرفين لإنهائها، مهما توفرت الرغبة كأساس للإرادة لفعل هذا.
يبقى عدم الإعلان عما تم في المنامة بشكل رسمي هو الموقف الرسمي من جولة أخرى للتفاوض، وكيفها ما كانت أولويات هذه الحرب حتى بوصفها التناقض الأوضح لاستثمار الدولة في العنف إلا أن شروط إنهاءها لن تكون بغير استثمار اكبر في إنفاذ سلطة القانون على الجميع، وستكون قضايا فنية كنزع الأسلحة الثقيلة والنوعية من شروط وقف الاقتتال الضرورية للطرفين لأحكام السيطرة على أي تفلتات فور إنهاءها، وهو امر قد يستدعى انتشار قوات أممية حتى لا تكون شروط وقف الاقتتال ونزع السلاح سببا لاندلاعها مجددا وفق تفوق احد طرفيها وفق شروط السلام، والاهم أن لا يكون الاتفاق نفسه مجرد هدنة، ومهما وجدت من دوافع عند اطراف مدنية من داخل الإسلاميين مثلا في استمرار الحرب، وهو امر قد يغذيه الآن ما يعرف بالحالة العامة في الجيش وليس نفوذ حقيقي لهم داخل الجيش، نتاج لحالة التذمر الواضحة الان، إلا انه موقف سيضعف اكثر من قدرة الجيش على الحرب أيضا! ومهما وجدت من أوهام عند أطراف أخرى كون حرب الدعم السريع كانت على فلول النظام المباد، فهي الآن في الطريق لان تكون حرب على نفسه إذا لم تساعد الأطراف الوطنية قبل الضغوطات الدولية في تعزيز الإرادة على إنهاء الحرب وإقرار السلام.
_______
*عرفت الإمبراطورية العثمانية في أواخر أيامها برجل أوروبا المريض، وهو التوصيف الذي سبق تفكيك إمبراطوريتها بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم مستعمراتها كمحفز بين الحلفاء الاستعماريين بشكل أكبر في اتفاقية سايكس بيكو من المانيا نفسها، واستهداف تركيا نفسها بعد تحرر دول البلقان من قبضتها واستنكار أي عمق أوروبي لها.
** على نحو ما تم في ١٨٨٩، من نزوح وتغييرات ديمغرافية دون شروط اقتصادية ووفق تغيرات سياسية فقط، وانخراط أعداد مهولة في حروب دولة المهدية بعد تحرير الخرطوم في ٨٦ لبسط سيطرتها داخليا وإقليميا أيضا، تراجع النشاط الإنتاجي في السودان ليفقد السودان اكثر من ٢ مليون نسمة (اكثر من ٢٥٪ من مجمل السكان وقتها) بسبب المجاعة (عرفت شعبيا بمجاعة سنة ستة، لموافقتها العام الهجري ١٣٠٦)، نفس المهددات والمخاطر الآن موجودة بسبب النزوح وتهديد الزراعة والرعي وانخراط أعداد كبيرة في الحرب، وبالتالي إفقار النشاط الإنتاجي، وعدم القدر أيضا على تقديم خدمات علاجية، يجعل السودان الآن إضافة لمخاطر الحرب الموجودة أمام مهددات مجاعة تم تصنيفها من قبل منظمات الأمم المتحدة بمواجهة اكثر من عشرين مليون للنقص الحد في الأمن الغذائي، منذ أغسطس ٢٠٢٣، أي قبل استئناف المفاوضات في أكتوبر، وأيضا انتشار الأمراض والأوبئة، فقد عانت مناطق في شرق السودان مؤخرا من انتشار محدود لحمى الضنك في بورتسودان وكسلا!


