بعد 10 أشهر من الحرب… الموت له أكثر من وجه في مدن العاصمة

يشارك

اقرأ أيضا

الخرطوم- خاص SBC:

شرارة الحرب التي انطلقت في 15 منذ أبريل من داخل العاصمة الخرطوم تقترب من عامها الأول، ونارها تستعر وتنتشر.
وعلى الرغم من فرار ملايين المدنيين من الخرطوم، إلا أن آلاف الأسر لا تزال محاصرة بين نيران الجيش والدعم السريع، وتعاني عزلة شبه تامة مع انقطاع الاتصالات والإنترنت، ويموت بعضها من الجوع لتنتهي إلى قبور في الميادين والبيوت.

إعادة تمركز
وبعد 10 أشهر كاملة من اندلاع الحرب، تمكن الجيش أخيراً من فك حصار الدعم السريع عن قواته في منطقة المهندسين العسكرية، التي التحمت معها قوات منطقة كرري العسكرية منتصف فبراير الماضي. ذلك رسم ملامح خريطة جديدة لتوزيع القوات العسكرية في مدينة أمدرمان.
وهو تفوق عسكري مكّن الجيش من بسط سيطرته على أحياء وشوارع رئيسة في مدينة أمدرمان، لم تكن ضمن مناطق سيطرته سابقاً مثل شارع العرضة ومنطقة استاد الهلال وشارع الأربعين وأحياء بانت والموردة.
وبذلك حاصر الجيش قوات الدعم السريع التي تسيطر على مباني الإذاعة والتلفزيون التي تطل على شارع النيل بحي الملازمين.

خريطة مناطق السيطرة العسكرية
ووفق مصادر تابعة للجان المقاومة يسيطر الجيش على الأحياء الواقعة بين الريف الشمالي لمدينة أمدرمان وبين السلاح الطبي. كما يسيطر الجيش أيضاً على منطقة استاد الهلال، ويتقاسم مع الدعم السريع السيطرة على السوق الشعبي غربي أمدرمان.
ويسيطر الجيش كذلك على ميدان الشهداء الذي كان سابقاً أكبر محطة مواصلات تربط أحياء أمدرمان ببعضها وبمدينتي الخرطوم والخرطوم بحري.
وأكد المصدر الذي فضل حجب اسمه أن محاولات عديدة من القوات المسلحة للسيطرة على السوق الشعبي باءت بالفشل، ووصفها بأنها “منطقة خطيرة”.
أما الدعم السريع فيسيطر على عدد كبير من أحياء أمبدة غرباً والفتيحاب جنوباً والبستان.

تدوين مستمر
العمليات الحربية باتت واقعاً يومياً يعايشه من بقي من سكان العاصمة، خاصة أمدرمان.
ويستمر تبادل القصف المدفعي بين طرفي الصراع بصورة متقطعة وفق لجان المقاومة الذين أكدوا أن مدينة بحري هي أكثر المناطق استهدافاً بقصف الجيش المدفعي من منطقة وادي سيدنا شمالي أمدرمان يومياً.
وقالت مصادر لجان المقاومة إن القذائف المدفعية بعيدة المدى من جانب الدعم السريع تأتي من اتجاه بحري على قاعدة وادي سيدنا العسكرية. وأضافوا أن مدفعية الدعم السريع تنطلق باستمرار من مناطق أمبدة في اتجاه أحياء الثورة شمالي أمدرمان، خاصة الحارة التاسعة والعاشرة.
وقالت مصادر لجان المقاومة لـ (SBC) إن القصف المدفعي التابع للدعم السريع ينطلق من السوق الشعبي غربي المدينة في اتجاه منطقة كرري شمالها.
وأضافوا: “معظمم هذه القذائف تصيب المواطنين وتقع على منازلهم”.

عزلة وشح
ويشرح مصدر من لجان المقاومة أثر شح السيولة المالية الشديد على حياة الناس، قائلاً لـ (SBC) إن بعض سكان أمدرمان يضطرون للسفر يومياً براً إلى مدينة شندي في ولاية نهر النيل للحصول على اتصال بالإنترنت يمكنهم من إجراء معاملات مالية عبر تطبيق (بنكك) المصرفي ثم العودة مرة أخرى.
وأضاف أن معظم سكان أمدرمان معزولون عن التواصل مع بعضهم البعض بسبب انقطاع خدمات الاتصالات. وعلى الرغم من عودة الخدمة إلى بعض الشبكات في الولايات إلا أن العاصمة ما تزال تعاني من العزلة.
وقال المصدر الذي فضل حجب اسمه إن أكثر الأحياء استقراراً هو حي “كرري” شمالي المدينة، بسبب توزيع الحكومة لأجهزة الإنترنت الفضائي (ستارلنك) للمناطق السكنية هناك مجانا. وكان والي الخرطوم أعلن أن تلك الأجهزة هدية القائد العام للجيش لمواطني كرري.

الوضع الصحي
وبشأن الخدمات الطبية قال مصدر طبي لـ (SBC) إن هناك بعض المستشفيات في مدينة أمدرمان ما زالت تعمل، مثل “النو” و”السعودي” و”البلك”، لكن بأقل
كثيراً من طاقتها الكاملة.
وقال المصدر الذي فضل حجب اسمه إن هناك عدد من المراكز الصحية الخاصة التي تقدم الخدمات الطبية بمقابل مالي مرتفع نسبياً في شارعي النص والوادي. وأشار إلى تأثر عملها بعد انقطاع خدمات الإنترنت. وأضاف ” توقف خدمة بنكك أثر سلباً على الخدمات الصحية الخاصة”.
ويقول المصدر الطبي أيضاً إن هناك شحاً كبيرا في توفر الأدوية. وكان مؤمن ود زينب الناشط المعروف في مجال توزيع الدواء طرح تساؤلات على صفحته في منصة فيسبوك عن إغلاق السلطات الصحية صيدلية في مستشفى النو التي كانت توفر الدواء مجاناً، وفتحت في المقابل صيدلية أخرى تبيعه بمقابل مالي.

بين نارين
” إذا سلمت من القوات العسكرية لن تسلم من العصابات” هذا ما قاله أحد أعضاء لجان المقاومة لـ (SBC) كاشفاً عن وجود أعداد هائلة من اللصوص التابعين لعصابات (النيقرز).
وأضاف أن سرقات هذه العصابات للمنازل لا تترك فيها شيئاً سوى جدرانها.
وأكد أن مدى الحركة محدود بساعات معينة حسب الأوضاع الأمنية في الحي. وأشار إلى أن وقت البقاء خارج المنزل ينتهي في الساعة الرابعة عصراً، ذلك بينما يمكن التجول حتى الثامنة مساء في بعض الأحياء المستقرة مثل كرري.
وأعرب عضو لجان المقاومة عن دهشته من أن أسعار الايجارات داخل العاصمة، وفي أحياء أمدرمان تحديداً، أقل من كثير من الولايات!

الموت جوعاً
من أكثر المشاهد التي تثير مشاعر متضاربة هي صور أواني الطعام التي تصطف أمام قدر يغلي على نار الفحم. تلك هي المطابخ التكافلية التي تجتهد في تأمين وجبات لآلاف الأسر التي حاصرتها الحرب داخل الخرطوم.
لكن تلك المطابخ باتت ترسل يومياً بيانات تحذير ونداءات استغاثة خوفاً من توقفها عن العمل، وما يعنيه ذلك من موت مؤكد لعدد من الأسر تفتقر المعيل وخسرت كل ممتلكاتها بسبب الحرب.
وأعلنت غرف الطوارئ بمدينة الخرطوم يوم الأحد توقف 221 مطبخاً تكافلياً من جملة 300 كانت تقدم وجبات مجانية لآلاف الأسر بالولاية.
وحذرت غرفة الطوارئ في بيانها من كارثة إنسانية جراء هذا التوقف الذي سببه انقطاع خدمات الإنترنت وتوقف وصول الأموال من أجل شراء مستلزمات الطعام.
وقال البيان: “بدأنا نشهد وفيات بسبب الجوع وسوء التغذية” مشيراً إلى عدم إمكان حصر عدد الوفيات حتى الآن.
وأضاف أن هناك 240 ألف أسرة مهددة بالجوع، مطالباً بالاستجابة العاجلة من جميع الجهات المعنية.

شرق النيل.. عطش قاتل

وتتهدد مدينة الخرطوم بحري كارثة إنسانية مفزعة، حيث انقطعت إمدادات المياه عن المدينة منذ انطلاق شرارة الحرب. واستمرت المعاناة بسبب انتشار قوات الدعم السريع فيها واحتلال معظم أحيائها خاصة الاستراتيجية التي تقع بالقرب من الجسور التي تربطها مع مدينتي الخرطوم وأمدرمان.
ولم تسلم حتى أحياؤها الطرفية من عنف الحرب وعلى أكثر من مستوى.
وقال بيان صدر الأحد من غرفة طوارئ بحري إن أحياء السامراب ونبتة ودردوق تتعرض لعمليات إجلاء قسرية. وفيما لم تشر غرفة الطوارئ إلى الجهة المسؤولة عن ذلك، إلا أن تلك المناطق تقع تحت سيطرة الدعم السريع. وناشدت غرفة طوارئ بحري حماية المواطنين مطالبة بعدم استخدامهم “دروعاً بشرية”.
وقال مصدر طبي إن عدد المراكز الطبية التي تعمل في مدينة بحري لا يتجاوز 7 مراكز، مشيراً إلى أهمية مستشفى البان جديد الذي يشغل وحدة خاصة بغسيل الكلى. وأضاف أن مستشفى بشائر يعمل أيضاً، والإثنين يقعان ضمن مناطق سيطرة الدعم السريع.
وقطع المصدر الطبي بأن عزلة فرضت على مدينة بحري مشيراً إلى وجود خدمات الانترنت الفضائي لدى منسوبي الدعم السريع الذين يبيعونه للمواطنين بسعر يتراوح بين 5 إلى 10آلاف جنيه للساعة. وتساءل: “من أين يأتي الناس بهذا المبلغ؟”