أنجمينا / واشنطن / فاطمة غزالي
بينما يقطع سكسية مسارا رئيس الوزراء التشادي المسافات من أنجمينا العاصمة التشادية إلى واشنطن العاصمة الأميركية، أملاً في الدعم الأمريكي للمساعدة في إجراء الانتخابات التشادية التي أعلنتها الحكومة، تحتقن الأوضاع السياسية والأمنية بسبب قتل يحيى ديلو زعيم المعارضة التشادية المدنية ورئيس حزب الاشتراكي بلا حدود الخميس ” في معركة مقاومة اعتقاله” على حد قول الحكومة التشادية. وكان قد سبق ذلك مقتل أبوبكر ترابي نائب الأمين المالي لحزب ديلو وقتل عدد من الأشخاص في هجوم على مقر المخابرات في أنجمينا قبل يومين.
اغتيال يحيى ديلو يعكس شراسة الصراع الأسري على السلطة في تشاد، فديلو هو ابن عمة الرئيس محمد إدريس ديبي، وهو معارض شرس لخاله الرئيس الراحل إدريس ديبي وابنه الرئيس الحالي محمد إدريس ديبي، وسبق أن نجا من عملية اغتيال في عهد ديبي الأب على حد قول المراقبين للصراع داخل الأسرة الحاكمة.
من هو يحي ديلو؟
هو مهندس اتصالات سابق بدأ عملياً معارضته الشرسة لإدريس ديبي بالانسحاب من حزب الحركة الوطنية بزعامة ديبي وأصبح رئيساً للمجلس العسكري الثوري (رئيس حزب الاشتراكي بلا حدود) وترأس منظمة تسمى (منهاج التغيير والوحدة والديمقراطية SCUD)، وهو تحالف للمتمردين.. انضم أفراد من الجيش الشادي إلى تنظيمه العسكري، وخاصة من قبيلة الزغاوة المجموعة العرقية التي ينتمي لها الرئيس التشادي. أحدثَ الرجل سجالات مع حكومة ديبي الأب، بدأها بمساندة أشقائه في دارفور عام 2004 عندما تعرضت قرى قبائل الزغاوة للحرق والإبادة الجماعية، فقد انتقد تقاعس ديبي عن نصرة زغاوة السودان والتحق بعد ذلك بالمعارضة المسلحة، وعندما فتح ديبي الباب للدكتور خليل إبراهيم وقيادات حركة العدل والمساواة، ترك يحيى ديلو السلاح، وعاد وتصالح مع النظام التشادي، وعُيَّن مستشاراً في رئاسة الجمهورية ويذكر أنه قبل المفاوضات مع الحكومة، طالب بالإفراج عن جميع السجناء السياسيين توطئة للتصالح مع نظام ديبي ثم أصبح وزيراً في حكومته.
المعركة الأولى مع السيدة الأولى
عودة ديلو إلى حضن حكومة خاله إدريس ديبي لم تلجم معارضته وصار من أقوى المعارضين للحكومة وشرع في الانتقادات الحادة لشخصيات مقربة من النظام أبرزها هندة ديبي ( سيدة البلاد الأولى – سابقاً) وتحدث ديلو بحرقة عنها، وقال إنها تسخدم مؤسستها ( القلب الكبير) للاستيلاء على المال العام، وانتقد دورها في القرارت الحكومية. أعفي ديلو من منصبه كممثل لتشاد في الأمانة العامة لدول وسط إفريقيا في مدينة ياوندي الكاميرونية في العام 2019. ذهب بعد ذلك إلى قريته في منطقة ( هريبا ) ورفض الامتثال للمحكمة بشأن قضيته المتعلقة بالاتهامات التي وجهها إلى السيدة الأولى، وعندما تم استجوابه من المدعي العام نشر جلسة الادعاء عبر صفحته على الفيس بوك، وقال: بأنَّ ما قام به لم يكن تشهيراً، إنما يدخل في نطاق نقد الشخصيات العامة التي يكفل القانون نقدها.
التمييز القبلي والسلطة
وقال المراقبون للشأن التشادي إن سبب الخلاف أصيل بين ديلو والسيدة الأولى السابقة هندة وهو أن الأخيرة لم تجد القبول من أقرباء إدريس ديبي في السلطة منذ زواجها في العام 2008 لأنها لا تنتمي لقبيلة (الزغاوة ) وأشارت المصادر إلى أن هند تنتمي من جهة والدها لقبيلة (الوداي) المؤسسة لمملكة وداي الإسلامية في شرق تشاد في عهد الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا. وتعرف هذه القبيلة في السودان التي باسم قبيلة (البرقو)، أما من جهة والدتها فهي تنتمي لقبيلة عربية تشادية. كانت متهمة من قبل بعض الدوائر بسيطرتها على مقاليد السلطة وتعيين الوزراء والمسؤولين في الدولة وبأنها الحاكم الحقيقي الذي يسعى إلى تقليص نفوذ قبيلة الزغاوة في الدولة، ولكن مصادر أخرى ذكرت أن يحيى ديلو ساهم أيضاً في تمكين أبناء قبيلته في الحكومة، بينما كانت هندة تشكل مجموعة ضغط للحد من التمكين القبلي الشيء الذي عمق العداوة بينها وأقرباء ديبي الذين تمكنوا عبر تقلد المناصب الحساسة من السيطرة على أموال الدولة، وأنه تم تحجيم نفوذ هندة بعد رحيل ديبي الأب لدرجة سحب البساط منها وكان صغر سن أولادها أحد العوامل التي جعلت موقفها أضعف في الصراع الأسري على كرس الحكم.
عرف يحي ديلو بالآراء الجريئة والمعارضة القوية وقد عرفته مساحات الفيس بوك بتوجيهه الانتقادات الحادة لحكومة إدريس ديبي. وتشير بعض المعلومات إلى أنَّ يحيى ديلو خرج من تشاد منذ استقالته من وزارة المعادن والجيولوجيا عام 2010 ولم يعد إلى أنجمينا إلا في بداية 2021 حيث تحدث للصحافة بأنه سيترشح في الانتخابات الرئاسية. وبحسب معلومات من مقربين ضاق ديبي الأب ذرعاً بهذه الفكرة إذ كيف لشخصٍ من نفس قبيلته أن يتطلعُ لمنافسته على الحكم؟ وبما أن ديلو رفض الامتثال للمحكمة سابقاً، فقد اتهم باحتقار مؤسسات الدولة وحاصر الحرس الرئاسي منزله في 28 / فبراير /2021 فماتت والدته وعدد من أبنائه وخمسة من أقاربه أثناء الاشتباك مع الحرس الرئاسي، وتدخل لاحقاً الفريق أبكر عبدالكريم داود رئيس أركان الجيش وأقنع ديبي بأن يسمح لديلو مغادرة الأراضي التشادية فذلك أدعى للسلم حتى لا تتصعد الأمور وتسير في مسار آخر، فقد تحدث انشقاقات داخل القوات المسلحة التشادية. هذه هي المبررات التي ساقها الفريق أبكر لإقناع ديبي بترك ديلو لحاله فهُرب الأخير إلى الكاميرون ومنها إلى بلجيكا، ويذكر بعض المراقبين أن ديلو لم يكن في المنزل عندما تمت المداهمة وأنه غادر أنجمينا قبل القبض ليؤكد بعد حادثة مقتل أقاربه أنه “سيتخذ العدالة الدولية” ضد نظام إدريس ديبي.
صراع شخصي أم صراع نفوذ؟
وعندما اغتيل ديبي الأب في إبريل 2021 أعلن ديلو عودته إلى البلاد والبدء في مشروع المعارضة، وزاد من نشاطه السياسي واصطدم بالنظام الجديد خاصة مع إدريس يوسف بوي بسبب قطعة أرض في منطقة فرشا، ثم انضم صالح ديبي وهو شقيق الرئيس التشادي السابق إدريس إلى حزب ديلو فزادت حالة الاحتقان في الأسرة.
يقول إبراهيم أحمد الدبلوماسي التشادي السابق لمنصة SBC إن يوسف بوي ابن عمة محمد ديبي ومستشاره هو الرئيس الفعلي في تشاد ويشير إلى أن سيطرة بوي الذي درس في مصر وعاش في بريطانيا سببها أنه أكثر تعليماً من ديبي الابن وأن شخصيته أقوى ومما جذب عداء المعارضة احتواء محمد ديبي الابن ليوسف بوي وقالت بعض المصادر إن يوسف بوي هو المستفيد الأكبر من اغتيال يحي ديلو لأن لديه خلافات شخصية معه. ويؤكد الدبلوماسي التشادي أن تخلص محمد ديبي من يحيى ديلو سيفتح الجراحات القديمة للمسؤوليين الذين أبعدهم محمد ديبي من السلطة بعد رحيل والده والذين من بينهم محمد شايبو مدير الاستخبارات لمدة عشرة أعوام ووزير العدل التشادي السابق.
باغتيال يحيى ديلو تخلص محمد ديبي من أقوى قيادات المعارضة المدنية في أنجمينا وسبق وأن تخلص من قيادات المعارضة التشادية بالتطويع كما أن المصالحة الوطنية برعاية دولة قطر لعبت دوراً في تحجيم المعارضة إلا أنه مازال يواجه تحديات المعارضة المسلحة بقيادة زعيمها محمد مهدي زعيم جبهة الوفاق والتغيير الذي بدأ يسارياً في فرنسا وهو لا يخفي علمانيته ولا يتحرج في التحالف مع الجماعات التي توصف بالمتطرفة لتحقيق أهدافه. وينتمي مهدي إلى قبيلة القرعان التي تعتبر المنافس الأقوى لقبيلة الزغاوة على السلطة. وبحسب المراقبين فإن مهدي يجد الدعم من حرم الرئيس التشادي الأسبق حسين هبري الذي ينتمي لذات القبيلة.
وتشير بعض المصادر إلى أن دولة قطر تقف بجانب المعارضة التشادية بقيادة مهدي في حين تقف دولة الإمارات بجانب الحكومة التشادية في إطار التنافس السياسي بينهما في إفريقيا. ويفتح اغتيال يحيى ديلو وفقاً لإفادات عديدة الباب مشرعاً أمام الصراعات الأسرية وسط قبيلة الزغاوة حيث يعتبر البعض أن خلافاتهم أكبر مهدد لوجودهم على السلطة، إذ أن القبائل الأخرى ظلت تتربص بهم وتنتظر لحظة انتزاع السلطة من بين أياديهم.
وتشهد أنجمينا استعدادات أمنية كبيرة وهدوء حذر في الشارع التشادي تحوطاً لأي ردود فعل ضد الحكومة التشادية بعد مقتل ديلو، وقد اغلقت مقار بعض المؤسسات والمدارس التي لا تبعد كثيراً عن المؤسسات السيادية والعسكرية.



