النور حمد /
ربما أمكن القول، وباطمئنانٍ شديدٍ إن الحرب لم تأت، عبر التاريخ، بحلٍّ مستدامٍ لأي مشكلة. فالمنتصر في الحرب الذي يفرض إرادته على خصمه بواسطة القوة الخشنة، لن يفلح إلا في خلق مناخٍ محتقنٍ، غالبًا ما يقود، عبر فترةٍ من الزمن، طالت أم قَصُرَت، إلى حربٍ أخرى أشد من سابقتها. فنشوب الحرب، في الأصل، ليس سوى دليلٍ على عجزٍ في القدرة على اعتماد أسلوب التفاوض والحوار وسيلةً لتحقيق السلام والاستقرار والتقدم. فالمنتصر في الحرب عادةً ما يملي إرادته على الطرف المهزوم، عبر العنف والأساليب الأمنية القمعية في السيطرة، وهو ما تتولد منه مقاومةٌ، لن تلبث أن تتسبب في خلق الزعازع واللا استقرار. لذلك، كان نشوء الأنظمة الديمقراطية واعتماد خِيار التبادل السلمي للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع نقلةً تاريخيةً مهمةً أنهت بها البشرية العنف السياسي، وفتحت الباب للتبادل السلمي للسلطة وللاستقرار، وتهيئة المناخ للنمو السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
الحرب الجارية في السودان الآن، التي نشبت في 15 أبريل من هذا العام، ليست سوى الإفراز النهائي لعللٍ تاريخيةٍ صاحبت الممارسة السياسية منذ فجر الاستقلال، في عام 1956. وبسبب تلك العلل بقي السودان في حالة حربٍ متصلةٍ لم تتوقف قط، عبر سبعين عامًا، إلا لعقدٍ واحدٍ فقط بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا بين نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري وحركة أنانيا 2 الجنوبية المسلحة، في عام 1972. لكن، عادت الحرب لتشتعل في عام 1983 ولتتوقف في عام 2005، عقب توقيع اتفاقية نيفاشا بين نظام الفريق البشير والعقيد جون قرنق. غير أن الجنوح للسيطرة المطلقة، وعدم القابلية للمساومة والاستجابة من جانب مركز السلطة لمطالب الجنوبيين، أدت تلك الاتفاقية إلى انفصال جنوب السودان عن شماله عبر استفتاء جرى في عام 2011. وبسبب ذات العلل التي عانى منها الشمال، دخلت دولة الجنوب الوليدة في حروبٍ أهليةٍ داخليةٍ أسوأ من تلك التي خاضها الجنوبيون ضد الشماليين. وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب في الجنوب على وشك أن تضع أوزراها، اشتعلت في أقليم دارفور في عام 2003 حربٌ جديدةٌ، استمرت مشتعلةً حتى قيام ثورة ديسمبر الشعبية في عام 2018.
لقد أفرغت هذه الحرب الأخيرة الكارثية عاصمة البلاد من سكانها تقريبًا، وزادت أعداد النازحين من دارفور. ويقدر عدد الذين نزحوا من الخرطوم ومن المناطق الملتهبة في دارفور، حتى الآن بين 5 و 6 ملايين شخص. وإلى جانب هذا النزوح الملحمي الضخم غير المسبوق، أدت هذه الحرب إلى تخريبٍ غير مسبوقٍ للمنشآت الحكومية وللمؤسسات الصناعية ولمعسكرات الجيش ولمراكز الشرطة وللبنية التحتية ولمنازل للمواطنين. كما جرى حرق الأسواق ونهب البيوت وتخريبها. وتقول التقديرات الأولية إن خسائر هذه الحرب قد بلغت عشرات المليارات من الدولارات. هذا، فضلاً عن التداعيات الأخرى المصاحبة للحروب كانتشار الأوبئة الخطيرة واحتمال تفشي المجاعة.
تحت حالة توازن الضعف المتمثلة في عدم قدرة أي جانبٍ من الفريقين العسكريين المتصارعين على الحسم العسكري، في أمدٍ قريبٍ، يبقى الحل الوحيد الأمثل والأحجى هو التفاوض. فالأولوية ينبغي أن تكون لإيقاف نزيف الدم وتخفيف وطأة الكارثة الإنسانية، وكبح تدحرج البلاد نحو حربٍ أهليةٍ متطاولةٍ، تقود في نهاياتها، وبعد كلفةٍ باهظةٍ، إلى تفككها، وإلى حالة من الفوضى الشاملة التي لا تترك في البلاد شبرًا آمنا.
لقد جرَّب السودان ثلاثةً من الأنظمة العسكرية التي استأثرت بالحكم لأكثر من نصف قرن. ولقد قاد نهج الاستبداد الذي مورس عبر هذه المدة الطويلة إلى إيصالنا في تداعياته النهائية إلى هذه الحرب الشاملة، التي أجبرت قادة الجيش إلى الهجرة إلى مدينة بورتسودان في أقصي شرقي شمال البلاد، متخذين منها عاصمةً ثانية. خلاصة القول إن العرقلة المتصلة لجهود التفاوض الجارية في منبر جده، والتذرع بمختلف الذرائع لتعطيلها أملاً في كسب الوقت لتحقيق انتصارٍ عسكريٍّ حاسمٍ، لن يقود أبدًا إلى نصرٍ وانفرادٍ بالسلطة. بل، قد يقود إلى حربٍ أهليةٍ شاملةٍ تقود إلى تفكك الدولة السودانية لتتشظى وتصبح كانتونات صغيرة متناحرة. حينها، لا قدر الله سيصعب الفتق على الراتق. ولن يكون هناك فرقٌ ،ما إذا كان هذا الراتق هو المجتمع السوداني، أو المجتمع الإقليمي، أو المجتمع الدولي. والتجارب المأساوية في هذا كثيرة جدا.


