بقلم: احمد المبارك علي
– الحروب لا تنهي الدول فقط، بل تمنحها أحياناً فرصة أخيرة لإعادة تعريف نفسها. ما نحتاجه اليوم ليس مجرد “اتفاق سلام” بين جنرالات، بل عقد اجتماعي جديد يوقعه الشعب مع نفسه.
لطالما كان السودان يُدار بعقودٍ مهترئة، كُتبت في الغرف المغلقة أو فُرضت بقوة السلاح، فكانت النتيجة دولةً تعيش في صراعٍ دائم مع ذاتها. اليوم، وبينما يلملم السودانيون شتات أنفسهم من بين أنقاض الحرب، لم يعد “العقد الاجتماعي الجديد” ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً، بل أصبح طوق النجاة الأخير.
هذا العقد ليس مجرد دستور يوضع في الرفوف، بل هو “نقلة تاريخية” كبرى تنهي حالة الاغتراب بين المواطن والدولة، وتؤسس لشرعية لا تنبع من فوهة البندقية، بل من الرضا العام والعدالة.
تبدأ أولى لبنات هذا العقد بإعادة تعريف المواطنة؛ فالسودان الذي نحلم به بعد الحرب هو الدولة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، حيث لا يُسأل المرء عن قبيلته ليُعرف حقه، ولا عن جهته ليُقاس ولاؤه. إنها الانتقالة من “دولة الرعايا” التي تمنح العطايا للموالين، إلى “دولة الحقوق” التي تحمي الجميع تحت مظلة قانون واحد. هذا يتطلب بالضرورة كسر احتكار المركز للسلطة والثروة، وتوزيعها على الأقاليم بعدالة تضمن ألا يشعر مواطن في أقاصي دارفور أو جبال النوبة أو الشرق بأنه “مواطن من الدرجة الثانية”.
لكن، لا يمكن لمدنية هذا العقد أن تستقيم دون حسم قضية السلاح. إن العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يرسخ مبدأً واحداً: “دولة واحدة، جيش واحد”. وهذا لا يعني مجرد دمج القوات، بل يعني إصلاحاً جذرياً للمؤسسة العسكرية لتصبح حامية للدستور لا لاعباً في السياسة، وخاضعة لرقابة مدنية شفافة. فبدون احتكار الدولة للعنف القانوني، سيبقى شبح الحرب يطارد أي محاولة للبناء، وستبقى التنمية رهينة للتقلبات الأمنية.
وعلى الجانب الآخر، لا يمكن طي صفحة الحرب دون عدالة انتقالية تضمّد الجراح ولا تنكأها. إن العقد الجديد يجب أن يقوم على الصدق؛ ومواجهة الماضي بآلامه، ومحاسبة من أجرموا، وجبر ضرر الضحايا. ليس الهدف هنا هو الانتقام، بل بناء نظام قضائي يثق فيه الجميع، يضمن عدم الإفلات من العقاب، ليكون “الردع” هو الضمانة لعدم تكرار مآسي الماضي. إنها عملية “غسيل وطني” للمرارات، تؤسس لمجتمع يتطلع إلى المستقبل بدلاً من الغرق في ثارات الأمس.
وفي قلب هذا العقد، يقبع الاقتصاد التنموي كمحرك للبقاء. فالسودان الغني بموارده ظل فقيراً بسبب سوء الإدارة والفساد. العقد الجديد يفرض تحويل موارد البلاد من “اقتصاد الحرب” والنهب إلى “اقتصاد المواطن”؛ حيث يصبح التعليم والصحة والزراعة هي جبهات القتال الحقيقية ضد الفقر والجهل. إنها دعوة لبناء عقد يضمن للشباب السوداني أن يجد أحلامه فوق تراب وطنه، بدلاً من البحث عنها في قوارب الموت أو بلاد المنافي.
إن السودان الذي سيخرج من رماد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها. والعقد الاجتماعي الجديد هو الرهان على أن الألم يمكن أن يولد وعياً جماعياً، وعياً بأن الوحدة في التنوع هي مصدر القوة، وأن الدولة ليست غنيمة يتقاسمها الأقوياء، بل هي خيمة يستظل بها الجميع. إنها اللحظة التي يقرر فيها السودانيون، وللمرة الأولى، أن يكتبوا مستقبلهم بمداد السلام لا ببارود البنادق.


