ما زالت شرعية الحرب والتي غذتها العقيدة الاستعمارية لأوروبا في التاريخ الحديث محل كثير من الجدل، وكيفما ساهمت الكولونيالية في تشكيل العالم، وحضارته المعاصرة، إلا أن النظر إليها، والى الحروب التي اشتعلت بسببها كنشاط قانوني، و ضروري للتطور الحضاري (لاحظ المعنى اللفظي لكلمة استعمار، واستخدامها الأوسع بدلا عن كلمة احتلال)، وفق الشروط السياسية لحقبة من تاريخنا الإنساني، لا زالت محل نقاش كبير، وما زالت الفراغات في تحقيق أي شكل من أشكال العدالة تجاه انتهاكات تلك الحقب، والفوارق التي أنتجتها، محل اهتمام من قبل المهتمين بتفكيك وإنهاء الاستعمار (post-colonialization & decolonization). حتى بات هذا الاهتمام نشاط أكاديمي وسياسي ثوري وقيمي، في النظر لمتلازمتي الهيمنة والإختلال في عالمنا المعاصر، وتفسير ومحاولة فهم الفوارق الشاسعة بين دول العالم، وفق تقسيمه اصطلاحيا لشمال وجنوب، وليس جغرافيا بشكل دقيق. وتعثر، وحتى فشل، الدولة الوطنية، تنمويا بشكل مختصر، في عوالم الجنوب. لدرجة إرجاع تعريف هشاشة الدولة الوطنية، أو أي من أشكال قصورها، واضطرابها الداخلي (بما في ذلك الحروب الأهلية)، لما بات يعرف بالاستعمار الحديث أو الإمبريالية، وهنا تنقسم “الديكولونيالية”، إذا جاز لنا هذا التعبير، لمدرستين: مدرسة لمواجهة العالم الأول ورفض أي صيغ للتكامل معه، لحد القطيعة مع ما يعرف اختزالا، وبشكل مريع، بالديمقراطية الرأسمالية الغربية و تخلقها الأحدث؛ النيو ليبرالية. ومدرسة لمواجهة الذات، من خلال جهد لإعادة عملية التحرر الوطني، والبناء واستنهاض مقومات الدولة الوطنية داخليا، والعمل مع العالم وفق صيغة تقوم على الإسهام الإيجابي في تشكيل الشرعية الدولية، وأسس التعاون الدولي وإسهامه التنموي، دون توجس، من خلال تعزيز تقدير الذات، والانخراط في تعزيز الاستقلال الوطني من خلال استدامة الديمقراطية، وتوطين التنمية والعدالة وحكم القانون، ومعالجة الانحلال السياسي، في أشكال الحكم الوطني وتشوهاته، في الاقتصاد والاجتماع وسلطة الدولة الحديثة عندنا، وفق ما بات يعرف بمتلازمة الاستعمار الوطني، كأولوية وفق هذه المدرسة لـ”الاستقلال الثاني” كتعريف مختصر بها. مقابل “الاحتلال المضاد” كتعريف ممكن للمدرسة الأولى للجذريين الجدد أو البلاغيين*.
انتهى بالحرب العالمية الثانية نموذج الدولة الاستعمارية، والدولة القومية حتى، ليصبح العالم أمام ثلاثة نماذج للدولة الوطنية لما بعد الاستعمار؛ وهي الدول التي وظفت الاستعمار لمصالحها وتحقيق طفرة اقتصادية، ودون دفع أي استحقاقات مقابل استنزاف موارد الدول الأخرى التي احتلتها، مع ادعاء لسنا بصدد إنكاره أو تأكيده هنا حول تحقيق نمط حديث للدولة والاقتصاد في تلك الدول الأخرى، ونموذجين للدولة الوطنية التي استقلت؛ دول تغيرت ديموغرافيتها وفق نمط استيطاني للاستعمار كما في الأميركتين وأستراليا وجنوب إفريقيا وأقامت دولة وطنية وفق خارطة سكانية جديدة، ودول أبقت على طبيعة ديمغرافيتها بدرجة كبيرة، وان اتخذت من نموذج الدولة التي أحدثها الاستعمار هدف بذاته لتحقيق استقلالها ونموذج للحكم يجب الاحتذاء به أو مقاومته دون أي مسعى أصيل، وعله من اللافت هنا ما تحقق من نمو في دول شرق آسيا، والصين والهند، وحتى في دول الخليج العربي، والذي لم يقابله في إفريقيا بعد نموذج مشابه للنجاح، فقد استغرقت الدولة هنا في كثير من الصراعات السياسية، والانقسام المجتمعي السابق لعصر الدولة نفسها، وبين نماذج الاجتياح في سيناريوهات بعض دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، والانتفاضة الشعبية كما في السودان، منذ تاريخ مبكر، والذي لم تخلو السردية البديلة فيه من نزاع مسلح، على نحو ما تم في حروب (الانانيا) لاستقلال الجنوب أو تحرير كامل السودان وفق نسخة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة د. جون قرنق لإقامة سودان جديد. ونماذج أخرى في غرب إفريقيا تراوحت بين الانقلابات العسكرية والبناء الدستوري المضطرب، إلا أن أنجحها هو التغيير الذي حدث في كينيا بعد دانيال أراب موي، انتهاءً بما عرف بثورات الربيع العربي في شمال إفريقيا في تونس وليبيا ومصر، ليحول قصور الطبقة السياسية وفسادها، وجهاز الدولة البيروقراطي عائقا أمام النهوض والتنمية، وإنجاز تحول ديمقراطي وبناء دستوري وخضوع الجميع لسلطة القانون ومبادئه. ليخضع الجميع أمام عسف مؤسسات الدولة الحديثة والتغول على استقلالية قضائها ونزاهته، وعجز أجهزتها وفي مقدمة هذه الأجهزة ظل النظر للقطاع الأمني والعسكري كمهدد ومنقذ في آن واحد! وفق قصور النخب الوطنية وسعيها الكسول للسلطة وفق واقع اجتماعي هش ومنظومات سياسية أكثر انحلالا.
أتت الثورة السودانية في ديسمبر ٢٠١٩، وفق سياق تاريخي وتراكمي خاص بالتجربة السودانية، ووعي الشعوب والجماهير السودانية بمحصلة الفشل لعملية البناء الوطني طوال ستة عقود. أمام انفراط عقد وحدة البلاد الوطنية وفق اجتماع التركيب. والذي لم يبحث ابدأ التراضي كمدخل للتعاقد الاجتماعي. لتورث الدولة الوطنية عندنا نفس ملامح دولة الاستعمار من خلال نخبة وطنية استحقت لقب النخب الاستعمارية، وواصلت الحكم من خلال الإبقاء على متلازمتي الهيمنة والاختلال. وصبغت مؤسسات الدولة الحديثة والتي تقوم على خدمة مجتمعاتها بطابع القهر والامتيازات. دون ابتكار نظام سياسي وطني لمجتمع متعدد وثري بموارده وتنوعه، سابق في وجوده للدولة المركزية بعمومية تشابك علاقاته وتكامل مصالحه، وفق ما يمكن أن يعرف بعمومية الوجود السوداني pan-sudanizm، من قبل دولة ٥٦، ومن بعدها وفق أبجديات بقاء الجغرافيا واستمرارية التاريخ. فالدولة التي أنشأها المستعمر قد تكون سابقة في وجودها دولة محمد علي باشا لتصور النخب الوطنية لوجودهم الوطني، قبل انغلاقهم على حواضن اجتماعية دون الإطار الوطني الأشمل، في ظل افتقار تجربة الحكم الوطني للعدالة. ومع ملمح النضج الوحيد في الثورة السودانية: سلميتها، إلا أن مهددات هذه السلمية الأوضح كان في نمو وازدهار أدوات العنف وثقافته داخل الدولة، ومن خارجها عند مناوئيها. لتقوم حرب السودان الحالية في التضاد مع سلمية الثورة السودانية نفسها، ووفق تناقضات قوى الدولة الرسمية وليس القوى من خارجها التي قاومت مفهوم احتكار الدولة للعنف، وشرعية العنف وقانونيته، ووفق عقيدة حربية أشبه بأشكال الاحتلال من السكان الأصليين، مهما تناولنا طبيعة تكوين قوات كالدعم السريع الديمغرافية وفق تقاطعاتها الحدودية لمًا بات يعرف بعرب الشتات، أو التشكيك في وطنية القوات المسلحة، وقوميتها، مهما ساد تناول كونها قوات لم تحارب غير السودانيين. ووفق عقيدة قتالية تجاوزت تعريف القوى النظامية في الاستعانة بـ الانقسام المجتمعي في مناطق النزاع في توظيف الجيوش الصديقة، لتفتح حرب اللاعنف التي انتهجها السودانيين تهديدا حقيقيا لدور آلة العنف في الصراع السياسي!
في محاولة مني سابقة لتجاوز الفراغ السياسي الكبير في قيادة الثورة، والقصور الذي قاد لتعزيز الاشتباك المدني-المدني، والمدني-العسكري، ومن ثم العسكري-العسكري على نحو ما هو حادث الآن. كنت قد كتبت في مارس حول مسالة الإصلاح الأمني والعسكري، على نحو ما كانت وفق أجندة النقاش للاتفاق الاطاري، والذي شكل امتدادا لغي النخبة السياسية المدنية في كيفية تناولها لعملية الإصلاح الأمني، دون مجهود حقيقي لفهم طبيعة الدولة الحديثة ومدنيتها، خلاف تعزيز الاشتباك أو خفضه من خلال طرح مصالح هذه النخب للنقاش، مدنية وعسكرية، وتقديم التنازلات إذا أمكن وفق سقوف للتفاوض والمواثيق لم تعني أبدا بشروط الدولة نفسها، ووظائف وواجبات مؤسساتها، وفي مقدمة ذلك المؤسسات الأمنية والعسكرية بحساسية موقعها في الدولة! في تعدي على سلمية التغيير من خلال الاعتداد مرة أخرى بالقوة “الغاشمة”!!، وغاشمة هنا ليس بتعريف دائم للقوى الأمنية والعسكرية، أو حتى دورها السياسي وفق تناول عقيدتها القتالية كتشوه دايم فيها، ولكن من خلال توظيف هذه القوة في الصراع السياسي كغشامة من قبل كلا النخب العسكرية والمدنية، فلم يتراوح النقاش وقتها في تناول الإصلاح إلا بين فوضى الإصلاح وليس إصلاح الفوضى، وفق واقع فوضى الجيوش وجيوش الفوضى.
لم يعد أحد يتحدث كثيرا عن العقيدة القتالية منذ أن أخذت إطارا قانونيا وأصبحت العسكرية هي العقيدة القتالية الحصرية وفق مفهوم احتكار الدولة للعنف وتوظيف تجارب الشعوب والمجموعات وخبراتها في بناء الجيوش بشكل مهني احترافي يضمن كفاءة هذه الجيوش وقدرتها على القيام بواجبها وفق القانون الوطني والقانون الدولي، وأصبح تكامل ما يعرف بالقانون الدولي مع التشريعات الوطنية وتعريف المصالح المشروعة للشعوب والأمم والاعتراف بالمخاطر والمهددات جزء من استراتيجيات الأمن القومي للدول ووفق القاعدة البسيطة: الأمن حق مكفول للجميع، طبعا ومع بساطة هذه المقولة وبديهيتها إلا أنها غير مبسوطة عمليا، بدرجة كاملة، وإلا لم نرى كثير من الصراعات تنفجر الآن إقليميا ودوليا وداخليا أيضا.
ما يهم في فهم العسكرية نفسها كعقيدة قتالية هي تحول كثير من أنماط القتال الى نمط خارج القانون، ويمكن النظر للتهديد الأمني والمخاطر التي تنتج عن وجود عقيدة قتالية في الدولة خلاف العقيدة العسكرية، مثال الحرس الثوري في إيران، حزب الله في لبنان، قوات فاغنر في روسيا الاتحادية، كتهديد للعقيدة العسكرية بمفهوم قوى نظامية خاضعة للدولة وقوانينها ومساءلة وفق القانون الدولي، ووفق عقيدة قتالية تهدد القانون الدولي والوطني وستعمل على إخضاع الدولة مستقبلا، وكما حدث لدينا في السودان؛ الشكل الذي تطورت إليه ما عرف تاريخيا بالقوات “الصديقة” للقوات المسلحة السودانية، وهي ميلشيات ظلت تقوم بمهام قتالية بدعم الجيش إبان الحرب الأهلية الأطول في السودان قبل انقسامه إلى بلدين في توظيف سيء للتنوع والانقسام الاثني في السودان. والتي تطورت (أي مفهوم القوات الصديقة) من مليشيات قبلية بسيطة الأعداد و محدودة التدريب ، في ظل أفضلية قتالها في مناطق نفوذها الاثني والقبلي، إلى قوات أكثر تعقيدا بعد انقلاب الثلاثين من يونيو ٨٩، وتحول الحرب الأهلية نفسها الى حملة سياسية للتجييش وفق دعاوى المشروع الحضاري. فتطورت قوات الدفاع الشعبي كقوات موازية وأشبه باستنساخ التجربة الإيرانية في تجييش الشعب وعسكرته، ليتواصل تطوير قوات موازية للجيش؛ حرس الحدود، الدعم السريع، وحتى قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني كقوى قتالية متطورة، وفق مخاوف نظام الثلاثين من يونيو من إرث الجيش السوداني المؤسسي والذي يخضع لتقليد قديم وفق تاريخ وجوده وممتد، ظلت حتى القوى الوطنية الأكبر التي صارعته “الانانيا” انعكاس لنفس عقيدته العسكرية منذ تمرد فرقة جيش في توريت ١٩٥٥، واعتماد تطويرها وتدريبها على ضباط من نفس الجيش!
وإن كان عصي على الجيش السوداني الحفاظ على احتكاره للعنف في ظل طبيعة الصراع الوطني منذ نشأة الدولة الوطنية الحديثة بعد استقلالنا الأول، إلا أن تفوقه نفسه في ظل سياسات النظام السابق أصبح مهددا حتى كالقوة النظامية الأولى في الدولة “الرسمية”، وقد أشار الدكتور جون قرنق الى توافق أهدافهم مع الجبهة الإسلامية في التسعينات، كون الاثنين – أي الجبهة الإسلامية والحركة الشعبية – استهدفا الجيش السوداني؛ بالتالي لم يعد هو الجيش القوي الذي يمكنه أن يحارب متفوقا على الجيش الشعبي كما في السابق، رغم أن أغلب دعاوى انقلاب الثلاثين من يونيو كانت الانحياز للجيش واتهام الحكومة المدنية بإهماله، وقد ظلت حملات دعم القوات المسلحة من قبل الجبهة الإسلامية، ومواقفها من إحلال السلام والتظاهرات ضد اتفاقية الميرغني-قرنق في أواخر العام ٨٨، والغريب أن الحركة المدنية الوحيدة التي شاركت الجبهة الإسلامية شغفها بالجيش ومؤازرته من خلال نفس الطريقة الدعائية كانت حزب البعث العربي، والذي منذ حادثة القردود بعد الانتفاضة لم يكن يعتقد بإمكانية الوصول إلى سلام مع الحركة الشعبية، ناهيك عن كونه ووفق توجهاته الأيدولوجية لم يكن مستعدا أبدا لتفهم منطلقات الصراع الذي تخوضه الحركة الشعبية، أو قبول الواقع السوداني في ظل نمو الوعي بالهوية السودانية بعيدا عن أحادية الوعي بهذه الهوية عند نخب المركز بعد خروج المستعمر!!
من المهم الوعي بالتجريف للعقيدة العسكرية الذي تم طوال ثلاثين عاما من حكم الإنقاذ في أي عملية إصلاح أمني عسكري ومؤسسي مستقبلا، ومن المهم الانحياز بشكل واضح لعقيدة عسكرية تخضع لسيادة القانون وتعمل وفق التزام أخلاقي بالدستور والحق الإنساني الأصيل في الحياة، الأمر الذي لم يكن غالبا قبل الثلاثين عاما أصلا وفق ميراث الصراع السياسي الوطني، والذي شكلت النزاعات الداخلية والصراع حول السلطة خطر ومهدد امني، تم استهلاك جيشنا في مواجهته، حتى أصبح هو، أي الجيش، نفسه لاعبا سياسيا رئيسا في الأزمة الوطنية “الشاملة”، ومن نافلة القول قبل الحديث عن إبعاد الجيش عن السياسية والصراع السياسي، ابتعاد الصراع السياسي والسياسة عنه، وهو ما تتيحه سلمية الثورة السودانية مؤخرا كعقيدة للصراع السياسي وتطور إجماعنا السياسي بعيدا عن طموحات النخب الحالية في توظيف الجيش وقواه الصديقة في صراع تأكيد امتيازاتها، وفق نمط لم يعد ممكنا إلا من خلال تأكيد الاشتباك وتهديد وجود الدولة نفسها.
من المهم أن نفصل في وعينا بين العقيدة القتالية والعقيدة العسكرية للدولة، وما نسميه بالعقيدة القتالية أو العسكرية داخل المؤسسات العسكرية والأمنية كسلوك للأفراد وتقاليد داخل المنظومة وقواعد ليس بالضرورة مكتوبة، ولكنها موروثة ويتم الحفاظ عليها وفق ذاكرة هذه المؤسسة ومخزونها من تجارب ليس بالضرورة هي الافضل في بناء أي جهاز بيروقراطي، سينشغل أفراده بالتأكيد على أهمية دورهم من خلال تعظيم دور جهازهم البيروقراطي هذا.
العقيدة القتالية للدولة هي تطور لأنماط قدرة الدولة في تعزيز استقلالها في الدفاع عن نفسها وحماية مصالحها من المهددات والمخاطر الامنية، وتعدي هذا لقدرتها على انفاذ قانونها الوطني واحترام القانون الدولي، وفق عالمنا المعاصر، ومنذ أن أصبحت الجيوش تبنى بشكل احترافي مهني، يتم اعداد أفرادها وتدريبهم لتحقيق كفاءة هياكل الجيش وجدارة أفراده لتحقيق هذه القدرات، في الوقت الذي أصبحت فيه العسكرية هي العقيدة القتالية للدول، وليس التطوع والمبادرة التي يمكن أن يقوم بها الافراد او المجموعات القبلية والدينية داخل الدولة، فالاطار الذي يجب ان يحكم احتكار الدولة للعنف كمبدأ في الدولة لتعزيز امنها القومي، هو اطار قومي بالأساس وأن تطور من خلال تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التعايش، وحل النزاعات الداخلية سياسيا وسلميا من خلال عمومية الدولة وتعزيز سلطات أفرادها وصيانة حريتهم وكرامتهم وفق عدالة فرصهم في التنمية والمساواة في الحقوق.
ما يمكن أن يسمى بعقيدة قتالية أو عسكرية داخل اي منظومة امنية بمعنى سلسلة الأوامر والتصرفات غير المكتوبة، والتي تشكل سلوك ممنهج لهذه الوحدات وافرادها، هو مناط أي عملية إصلاح مؤسسي لأي جهاز بيروقراطي وليس الجيش أو الشرطة والامن لوحدهم، ويجب الوعي لكون هذا السلوك الممنهج والذي يحكم أداء هذه الاجهزة، ليس من صميم أهدافها وواجباتها، وليس بالضرورة من الخبرات الموضوعية أو المهارات الذاتية التي تعين على تحقيق هذه الاهداف، وخدمة الواجب الوظيفي، بل بالعكس في كل المهن ظلت كثير من هذه السلوكيات أساس لتعزيز امتيازات الأفراد ومنسوبي أجهزة الدولة خارج اهداف وظائف الخدمة العامة، وبالتالي انحراف جهاز الدولة عن واجباته ومهامه وتهديده للمصلحة العامة، وتعزيز مصالحه الخاصة والتمرغ في الميري كما يقال في المثل الشعبي.
يمكن ان يتجاوز هذا الوصف للاختلال في العقائد المهنية داخل الدولة السودانية، إلى وصف الاختلال داخل الطبقة السياسية، والتي اتخذت من العمل السياسي طريق مختصر shortcut، لهندسة امتيازاتها بعيدا عن عنت مؤسسات الجهاز البيروقراطي، “ومطاولاته”، والتي يحكم وجودها سلسلة قوانين مكتوبة وهياكل موجودة لا يمكن تجاوزها وفق عجلة السياسي الناشط، الذي ينتهي دائما لاقامة تحالفات مع اجهزة الدولة لتمكين سلطانه، تنتهي بتعزيز انحراف هذه الاجهزة وليس اصلاحها بأية حال، وتهيئة الدائرة الشريرة للدوران مرة اخرى وفق متلازمي الاختلال والهيمنة، كملمح اكيد للانحلال السياسي. ولكن من المهم الآن ترك نظامنا السياسي جانبا، والانتباه لجهاز الدولة؛ فبقدر ما يهدد قصور السياسيين وانحرافهم النظام السياسي، إلا أن انحراف جهاز الدولة يهدد وجود الدولة الان، وبالقدر الذي يمكن أن تحكم حركة الجماهير وتنامي وعيها طبقتنا السياسية وتعزلها حتى أن انحراف جهاز الدولة سيهدد هذه القدرة عند الجماهير على ابتكار نظامها السياسي، الديمقراطي إذا شئنا، وبشكل اكبر من انساق الاجتماع التقليدي في مجتمعاتنا، وبينما يخضع أي نظام سياسي على قدرة الجماهير ودرجة نمو وعيها وفق شروط غالبة فيها الذاتية، قد يكون التفريط فيها طريق للتعلم، يخضع جهاز الدولة لشروط موضوعية وخبرات ومهارات علمية لم تعد تعترف حتى بالحدود الوطنية لانتقال المعرفة والعلوم وتطبيقاتها يكون التفريط فيها مهلكا.
وفق هذا لا يبدو الحديث الآن عن الاصلاح الامني والعسكري عملية معزولة عن مجمل إصلاح جهاز الدولة، ووفق حقيقة تاريخية لا يمكننا إغفالها كون هذا الجهاز أتى سابقا لتطور اجتماعنا السياسي والدستوري، وبالتالي وضع القوات النظامية كقوة لإنفاذ القانون فوق السلطة القانونية المستقلة نفسها، القضاء، وفوق المشرع اي الشعب نفسه، مما أعاد تعريفها عمليًا كقوى فوق دستورية. وبالنظر لهذا الواقع لا بد من الدخول في عملية شاملة تضع في اولوياتها استعادة جهاز الدولة ومن ضمنه الأجهزة الأمنية والعسكرية وإعادة تعريفه بشكل سليم بعيدا من إرسال تطمينات للأفراد وتعزيز نفوذ القيادات الحالية، عملية تهدف لتعزيز دور هذه المؤسسات كجزء من بنية السلطة المدنية وليس منافسا لها وفق سيادة القانون العادل، ودولة المؤسسات، وتعزيز قدرة الجماهير ومسؤوليتها على المحاسبة. وهو ما يعني ردم هذه الهوة الناتجة عن كون جهاز الدولة أتى سابقا للدولة نفسها، بغير كيفية الانحلال السياسي الحالية التي تتعاطى مع الأشواط المفقودة في صراعنا السياسي والاجتماعي الوطني تجاه الدولة كامتياز، وليس كواجبات لم يعد بالإمكان تأجيلها.
فوضى الإصلاح أم اصلاح الفوضى؟: تقوم دعاوى الاصلاح الأمني والعسكري على التسليم بوجود خلل ما في هذه الاجهزة، وعادة تتجاوز هذه الدعوات تعريف هذا الخلل وتقفز لمعالجات اجرائية، كالحديث عن الدمج مباشرة مثلا، وكأنما هذه المؤسسات منفردة خالية من العطب وكاملة الاهلية لا يحول دون القيام بواجباتها غير تعددها والذي بالتأكيد سيقود لخلط في تحديد ومسؤولياتها واختصاصاتها، وتداخل سلطاتها وتعارضها، ولكن ليس بالضرورة تكامل دورها في تعزيز الأمن وبسط هيبة الدولة كما يقولون، وخضوعها لسلطة ذات سيادة وحكم القانون متى ما وجدت سلطة شرعية في الدولة تعبر عن هذه السيادة وقبول الجميع كمؤسسات ومجتمعات، وأفراد أيضا، في الدولة، وليست المؤسسات العسكرية وحدها بحكم القانون.
ووفق هذه النظرة الكلية قد تصبح عملية الدمج نفسها غير ذات اهمية في الاصلاح، او ليست عصيه، مع ترديد الجميع على ضرورة خضوع العسكر للسلطة المدنية، وفق ابتسار مخل لمفهوم سلطة الدولة ذات السيادة، والتي تتكون من مستويات متعددة للحكم، لا تتمتع فيه السلطة السياسية المدنية، حتى لو منتخبة، بهذه السيطرة المطلقة على أي من اجهزة الدولة، بل على العكس يجب ان يتم تعزيز استقلالية الجهاز البيروقراطي للدولة، بما فيه الأجهزة الامنية والعسكرية، عن السلطة السياسية. وتأكيد ذلك بخضوع الجميع، بما في ذلك السلطة السياسية المدنية بشقيها التنفيذي، والتشريعي، لحكم القانون وضمان إنفاذ ذلك عبر سلطة القضاء كسلطة مستقلة لتحقيق العدالة، من خلال مبدأ استقلال السلطات الذي يحكم الأنظمة السياسية وفق المفهوم المعاصر لسلطة الدولة نفسها.
بالنظر لتشوهات القطاع الأمني يجب الوعي كون ما حدث داخل القوات النظامية في جزء منها هو تخريب متعمد بلغ ذروته في سنوات الانقاذ، ومن خلال عملية تمكين ممنهج تراجعت كثير من الشروط المهنية التي حكمت الجيش والقوى الامنية، وتجربة الإنقاذ في الحكم قد تكون التوظيف الأمثل في ذهن الحركة المدنية السياسية للجيش، ولا أظن أن هناك حركة سياسية لم تسعى سعيها هذا، وإن لم تتوقف فعن قلة حيلة وليس عن التزام بمبدأ أو علو همة، ولا فضيلة هنا لمن تركته المعصية فظن أنه من تركها.
وفق هذا الجزء يتحمل اجتماعنا السياسي وحراكنا المدني حتى، النصيب الأكبر في تخريب جهاز الدولة وفي مقدمته الجيش والامن، وان كان لسنوات الانقاذ النصيب الاكبر، الا أنها كانت التعبير الأكمل عن تشوهات نظامنا السياسي والخطاب الأكثر صراحة واتساقا مع نسق الممارسة السياسية: فانتهينا الى جيوش “الفوضى” وهو موضوع ستكون لنا عودة إليه بتفصيل أكثر.
ووفق جزء آخر، خلاف السياق السياسي المدني، لم يسلم الجيش نفسه من “فوضى”، لم تحصنه من الانحراف والتشوه؛ وفق سياق الدولة الوطنية نفسه عندنا، كدولة مركبة حشرت فيها الحداثة ومؤسساتها وفق فارق الاستعمار، وليس الفارق الذي تصنعه النخب الوطنية من خلال وعيها السياسي بحركة التاريخ، وقدرتها على الإلهام والعمل الخلاق في تحديث مجتمعاتها وتنميتها؛ فأتت تعبيرا عن استعمار وطني من خلال متلازمتي الهيمنة والاختلال لحكم نخب استعمارية بامتياز.
لم يكن الجيش باستثناء عن هذه النخب لا في تكوينه، أو من خلال تاريخه العسكري في مواجهة شعبه، في حرب ضرار، والتي ربما فرضت عليه بأكثر مما هو اختارها، لكنها قطعا، حتى، وإن لم تحكم وجوده وفق العقيدة القتالية للدولة الحديثة، قد حكمت شروط بقائه واستمراره. ولن يستقيم الحديث هنا عن الاصلاح الامني بالقفز على طبيعة التشوهات في مؤسسات الدولة كلها، وتناول ماهية “فوضى” الجيش، و”جيوش” الفوضى وفق هذا الحديث الكسول عن دمج الجيوش، لاختزال عملية الاصلاح الامني بشكل مخل في دمج الفوضى، كأنما علينا البداية بخوض شروط تاريخية سياسية واجتماعية تجاوزتها البشرية، وتركتها خلفها، وفق مفهوم الدولة المعاصر، لتكوين جيش وطني من جديد! في ختام هذا المقال هنا والذي ارجو ان يكون محفزاً لنقاش جدي حول محاولة إعادة فهم سلمية التعبير وسلمية التغيير كتعريف لسلمية الثورة، ودور هذا الفتح في مواجهة الانحلال السياسي political decay يتجاوز ميلاد نظام سياسي political order، وبمعنى أشمل، هو الأقدر على الاصلاح الامني والعسكري، ومن خلال السلمية نفسها كاعادة تعريف للصراع السياسي والتعريف بطبيعته، وإعادة التعريف بمؤسسات الدولة وأجهزتها ودورها بعيدا عن تعزيز الاشتباك وتحقيق الامتيازات. وبشكل مختصر اكثر، يجب النظر للطريق الذي ينهي حرب السودان الحالية: كاعادة الاعتبار لسلمية الثورة السودانية.
________
*بعيدا هنا عن التناول اللاذع لمفهوم الجذرية البلاغي عند كثير من قوى “الأصولية” السياسية، أن ما يمكن تسميته بـ”الاحتلال المضاد”، كمفهوم للتحرر، شكل صراعا ممكنا في حقبة الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي، وذلك قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وحلفه العسكري وتفكك المعسكر الاشتراكي كممثل للعالم الحر (الحقيقي)، والذي برأيي شكل طوال وجوده مشروع “إمبريالي”، صاحبته نزعات للهيمنة، بجانب الامبريالية الغربية، وليس مقابلا لها: وبعيدا عن القبضة الحديدية التي حكمت أوروبا الشرقية، والاضطراب السياسي عبر الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، الذي ساهم فيه وجود الاتحاد السوفياتي كدولة عظمى في بلدان العالم الثالث، بدرجة لا تقل من الدور الغربي، حتى فيما يعرف الان بـ”تلوين” الثورات. إلا أنه من المهم النظر لبروز منظمة “دول عدم الانحياز” من خلال انتظام دول كيوغسلافيا بعد ارتداد الرفيق تيتو وفق البروباغندا السوفياتية وقتها ك، والهند بعد استقلالها ودول الشمال الافريقي وفي مقدمتها مصر، لا يجب النظر الان لدول الـBRICS في مواجهة القطب الاحادي للراسمالية الغربية على نسق المعسكر الشرقي سابقا، او مستقلة عنه كمنظومة دول عدم الانحياز تاريخيا. هذا ليس موقف من الاشتراكية او الاسهام السياسي للفكر الماركسي، أو انتقاد للشيوعية، فقد وصف مرة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الاتحاد السوفياتي بشكل لاذع عندما قال: “أن الاتحاد السوفياتي أولاً دولة عظمى وثانيا دولة عظمى وثالثا دولة عظمى ثم اخيرا دولة اشتراكية!”. من المهم الانتباه لدول تحكمها انظمة “ماركسية” سياسيا، اتخذت لنهضتها طريق مطابق لمفهوم الاستقلال الثاني، في تعزيز استقلالها ونموها، مثل فيتنام، وإثيوبيا منذ ما بعد نظام الدرك.

