SBC: واشنطن
أفادت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن عشرات الآلاف من الأشخاص فرّوا من هجمات استهدفت مخيمات النازحين في السودان، في وقت وصفت فيه الأمم المتحدة الصراع المستمر منذ عامين بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم.
وفي واحدة من أبشع الهجمات، تعرّض مخيم زمزم لهجوم عنيف يوم الجمعة الماضي من قبل قوات الدعم السريع، حيث وصف أحد الناجين المشهد قائلاً إنه اضطر للسير فوق أشلاء الجثث المحترقة أثناء هروبه من المخيم، في حين تُقدّر الأمم المتحدة، استناداً إلى معلومات أولية من مصادر محلية، أن الهجوم أسفر عن مقتل أكثر من 400 مدني، من بينهم 12 من العاملين في المجال الإنساني وفقا لما جاء في الواشنطن بوست.
وجاء في بيان صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن “قوات الدعم السريع سيطرت على المخيم وتمنع من تبقّى من السكان، خصوصاً الشباب، من الخروج. وقد أفادت تقارير أن الخارجين من زمزم جُرّدوا من كل ممتلكاتهم، ويصلون إلى مواقع النزوح الأخرى وهم في أمسّ الحاجة إلى الغذاء والمأوى والإمدادات الأساسية… كما أظهرت صور الأقمار الصناعية دماراً واسع النطاق”.
تُظهر الروايات المتسربة من الهجوم فشل المجتمع الدولي في إيقاف أو حتى التخفيف من حدة العنف المتصاعد منذ عامين، والذي شمل عمليات اغتصاب جماعي وقصف أحياء مدنية وتجويع واسع النطاق.
الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تفاقم بشكل كبير، مع دخول ميليشيات متحالفة ودعم خفي من قوى إقليمية على الجانبين، مثل الإمارات وتركيا وإيران ومصر وتشاد. وفي ظل تقليص واشنطن لمساعداتها، امتد النزاع ليهدد خطوط الملاحة في البحر الأحمر، التي تواجه بالفعل تهديدات من الحوثيين في اليمن.
ويُعد الحصول على المعلومات حول التطورات الأخيرة تحديًا كبيرًا، نظرًا لانقطاع شبكات الاتصالات، واعتماد عدد محدود من السكان على الإنترنت عبر نظام “ستارلينك”. ومن بين هؤلاء، محمد شريف (27 عامًا)، الذي قال إنه كان داخل المخيم، عندما تعرّض للهجوم. وقال: “كنت في طريقي إلى السوق عندما بدأ القصف فجأة وبشكل عنيف. كانت أشلاء الجثث منتشرة في كل مكان، وجرحى ينزفون في الطرقات”.
عاد شريف إلى خيمته ليجد والدته وإخوته قد اختفوا، فاختبأ في حفرة كان السكان قد حفروها مسبقًا للحماية من القصف، وهي حفرة لا تتجاوز مساحتها مترين. قال: “ازدحمت الحفرة بالناس حتى امتلأت. كان التنفس صعبًا، وكل الملاجئ الأخرى كانت ممتلئة. لم يكن بإمكانك حتى الذهاب لقضاء الحاجة أو شرب الماء بسبب شدة القصف”.
وأضاف أنه رأى لاحقًا أكثر من 20 جثة في ساحة مدرسة تؤوي نازحين، كثير منهم مبتورو الأطراف أو وجوههم مشوّهة. وتابع: “في خيمة جيراننا، مات الجميع… الرجل وزوجته وأطفاله، احترقوا بالكامل”. وأكّد تقرير صادر عن “مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل” وجود دلائل واسعة على احتراق منشآت في المخيم.
لم يتمكن شريف من العثور على شقيقه البالغ من العمر 13 عامًا أو والدته، فقرر في يوم الإثنين، بعد أن خفّ القتال، السير إلى مدينة الفاشر مع شقيقيه الآخرين. وقال إنهم غادروا قبل الفجر في صف طويل من النازحين، ومعهم حيوانات كانت قد نجت من القصف وتبعتهم في الظلام، مثل الكلاب والأغنام والجِمال والقطط.
بعد مسيرة دامت 12 ساعة، وصل النازحون إلى الفاشر، التي تعاني الآن من اكتظاظ شديد بعائلات جائعة وخائفة. وهناك وجد شريف عمّته جالسة تحت شجرة مع أطفالها، لم تأكل منذ يومين وكانت تُقسّم آخر قطع من البسكويت على الأطفال. قال إنه ذهب يستجدي الطعام، وفي البيت الخامس وافقت سيدة على منحه بعض الطعام الذي قدّمه لعمّته.
وقال: “إذا لم تصل مساعدات غذائية إلى الفاشر خلال أسبوع، سيموت الجميع”.
وقدّرت المنظمة الدولية للهجرة أن ما بين 60 إلى 70 ألف أسرة فرت من مخيم زمزم، في حين أن نحو 12 مليونًا من سكان السودان البالغ عددهم 50 مليونًا قد نزحوا بالفعل من منازلهم.
وقال أحد سكان الفاشر، معاوية دقاش، في تسجيل صوتي إنه يؤوي عددًا كبيرًا من النازحين في منزله. وأضاف: “المياه شبه معدومة، ولا يوجد وقود لاستخراج المياه من الآبار، كما أدى نقص الوقود إلى توقف مطاحن طحن الذرة”.
وأشار إلى أن قوات الدعم السريع تحاول منع المدنيين من الوصول إلى الفاشر، وتحثهم على التوجه إلى مدينة تاويلا القريبة.
وفي مقطع فيديو نُشر على فيسبوك يوم الأحد، ظهر عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، وهو يخاطب مجموعة من نازحي زمزم قائلاً: “نحن لا نؤذي أحداً”. ونفى ارتكاب قواته لانتهاكات، مشيرًا إلى ضابط من قبيلة الزغاوة، قائلاً: “هو أحد أبنائكم وسيحميكم”. وتعهد بتوفير الطعام والشراب لهم وطلب منهم البقاء في أمان.
لكن في مقطع فيديو آخر نُشر يوم السبت، وأكّدته منظمة “آفاز” الحقوقية من خلال التحقق من المبنى الظاهر في الخلفية، يظهر أحد جنود الدعم السريع وهو يطلق النار من رشاش ويقول لزميله: “اضرب النوباوي”، ليرد الآخر: “اقتل العبد!” — في استخدام عنصري يشير إلى القبائل الإفريقية السوداء المحلية.
ويُذكر أن السودان يعاني من تاريخ طويل من الصراعات العرقية بين المجموعات التي تُعرف بالعربية وتلك التي تُعرف بالأفريقية، وغالباً ما صاحب عمليات القتل الجماعي للمدنيين خطاب عنصري.
وقال الدكتور مجيب الرحمن من هيئة المعونة الإنسانية التابعة للحكومة إن حوالي 300 ألف شخص وصلوا إلى الفاشر خلال اليومين الماضيين، أغلبهم يصل ليلًا لتجنّب الحواجز التي تنصبها قوات الدعم السريع.
وأضاف: “وصل عدد من الجرحى، لكن للأسف معظمهم في حالات حرجة، وتوفي عدد منهم بعد ساعات قليلة من دخولهم المستشفى. حوالي 80% من الإصابات كانت بسبب الشظايا… نحن نخشى من كارثة صحية، خاصة الكوليرا، بسبب عدد النساء الكبير في الفاشر، وانعدام المراحيض، حيث يتبول ويتغوط الناس في الشوارع”.
وفي يوم الثلاثاء، اجتمع دبلوماسيون في لندن لمناقشة الصراع خلال مؤتمر استضافه وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، بهدف جمع التبرعات للتعامل مع الأزمة الإنسانية المتفاقمة. ومع ذلك، لا توجد مؤشرات على إجراء مفاوضات لوقف إطلاق النار، كما لم تستجب الحكومة الأمريكية لمطالب من مشرعين أمريكيين للضغط على الإمارات لوقف تزويد الدعم السريع بالأسلحة، وهو ما تنفيه أبوظبي رغم وجود وثائق واسعة صادرة عن خبراء أمميين وغيرهم.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان: “ما زال تدفق الأسلحة والمقاتلين إلى السودان مستمرًا، مما يسمح للصراع بالاستمرار والانتشار في البلاد. يجب وقف الدعم الخارجي وتدفق الأسلحة. على الجهات التي تمتلك التأثير الأكبر أن تستخدمه لتحسين حياة السودانيين، وليس لإدامة هذه الكارثة”.

