تأثيرات الحرب على الأطفال بمشاركة أسر الأطفال المتأثرين بالحرب في السودان

يشارك

اقرأ أيضا

ورشة إسفيرية لاختصاصيين ومهتمين


القاهرة :SBC :صلاح الربيع

قال الدكتور سامي عوض يس استشاري علم النفس الإكلينكي وعلاج الصدمات النفسية إن من أبرز تأثيرات الحرب على الأسر والأطفال تتمثل في زيادة احتمالات خطر تعرضهم للعنف الجنسي والعنف الجسدي والأمراض وسوء التغذية والانفصال عن أفراد الأسرة. وبشأن تأثيرات الحرب على الأطفال من ناحية نفسية قال يس إن الأطفال في مواقع الحروب والصراعات، يعانون من القلق، والوحدة وعدم الاحساس بالأمان بسبب فقدان الوالدين أو بعض أفراد الأسرة.
جاء ذلك ضمن الورشة الإسفيرية التي نظمها مركز نون للتدريب والتطوير والاستشارات أمس الاثنين والتي قدمها عبر موقعه على منصة تليغرام بمشاركة أكثر من 140 مشاركاً من المهتمين بقضايا الدعم النفسي وأثر الصراعات والحروب على المجتمع السوداني.
واستعرض الدكتور سامي محاور النقاش الأساسية للورشة والتي من أهمها حسب قوله تأثيرات الحرب على الأطفال من ناحية نفسية، والصدمات النفسية المتوقعة لدى الأطفال بعد معايشة الحرب، والأعراض والتغيرات السلوكية المتوقعة بعد معايشة الحرب، وكيفية التعامل مع الأطفال المتأثرين بالحرب، ومدى استطاعة الأسرة على تقديم المساعدات النفسية للأطفال.
وأوضح يس، أن الحرب الأخيرة بالبلاد شكلت ضغطاً هائلاً على المجتمع السوداني بكل شرائحه، مشيراً إلى أن الأطفال يتعرضون في الغالب عند وقوعهم وسط خطوط النار إلى الحرمان من الطعام والحماية والتعليم ومن طفولتهم، كما تتعرض الأسر عند تهجيرها قسراً بشكل مفاجيء وسريع للنجاة بأرواحهم، لفقدان سبل كسب العيش ومصدر الدخل مما يجعلها تعاني ومعها الأطفال من الجوع والمرض وربما الموت.
وأشار سامي إلى أن مشاهدة الدمار للأماكن التي يرتادها ويعيش فيها الأطفال مثل (المدارس والحدائق وغيرها) تؤثر سلباً في مشاعر الأطفال وتقودهم للإحساس بتدني بجودة الحياة مما يؤدي إلى ظهور القلق المزمن والخوف ومشاعر عدم الأمان في نفوسهم ، وهذا بدوره يؤدي إلى(التبول اللا إرادي) والصعوبة في النوم، والكوابيس، والتوتر في علاقاتهم مع أحبابهم وأهلهم، وأضاف أن الأطفال في مواقع الحروب و الصراعات يعانون من الإنسحاب العاطفي بسبب تعرضهم لمختلف مظاهر العنف والذي يعرضهم للتبلد والخدر العاطفي.
وقال الدكتور سامي عوض إن من تأثيرات الحرب على الأطفال من ناحية نفسية المعاناة من العنف والعدوان والذي يؤدي بهم إلى الشجار والعراك والصياح أو التنمر على بقية الأطفال، علاوة على تعرضهم لأمراض جسدية مثل الآلام في الرأس والصدر وصعوبات في التنفس وبعض حالات فقدان القدرة على الحركة بالأطراف، بجانب معاناتهم من الصعوبة في الكلام، ومحاولة إيذاء الذات وذلك باللجوء إلى تناول الكحول والمخدرات أو الانتحار.
وحول المتوقع عند معايشة الحروب والصراعات والمواقف العنيفة المهددة للحياة، قال استشاري علم النفس الإكلينكي وعلاج الصدمات النفسية الدكتور سامي، إنها تزيد من معدل الاضطرابات النفسية لدى الأطفال، وأشار إلى أن نسبة الاضطرابات النفسية وسط الأطفال الذين يعيشون ظروف الحرب والصراعات المسلحة تتباين بناءً على طبيعة الصراع وطول مدته وتوسع رقعته، مضيفاً أن هناك تأثيرات أخرى تتمثل في التأثير السالب للحرب على الوالدين بالضغط العاطفي عليهم مما يؤثر سلباً في قدرتهما على تقديم الرعاية المناسبة للأطفال، إضافة إلى الوصمة والتمييز السالب حيث يواجه الأطفال الذين انضموا وشاركوا في الحروب والصراعات، مشكلة الوصمة السالبة، بينما يواجه الأطفال النازحين واللاجئين في الغالب روحاً عدائية وغير مرحبة في المجتمعات المضيفة ويصعب عليهم التعليم والعلاج بجانب العيش في أوضاع سيئة ومزدحمة مما قد يقودهم إلى العنف مستقبلاً.
نقاشات وملاحظات أسر الأطفال المتأثرين بحرب السودان
الأستاذ وضاح المحيا، الإعلامي بمركز نون ومقدم الورشة، عبر عن شكرهم وتقديرهم لاستشاري علم النفس وخبير الصدمات النفسية في السودان الدكتور سامي عوض يس، لدوره المتعاظم في تقديم الدعم النفسي للمتضررين من آثار الحروب والنزاعات في مناطق البلاد المختلفة، وقال إنهم في المركز ممتنون له بتقديم هذه الورشة المهمة التي تطرقت لمناقشة قضية تتعلق بشريحة مهمة من شرائح المجتمع السوداني وهم الأطفال، أمل المستقبل الواعد بالسلام والاستقرار للسودان، وشكر وضاح المحيا كل المشاركين في الورشة على حضور جلسة المركز المخصصة لموضوع تأثير الحرب على الأطفال، عبر المنصة الإسفيرية تيلغرام، واعداً إياهم بدعوة المركز لهم للمشاركة في الندوات والورش التي سينظمها من مناقشة وبحث قضايا الوطن والمواطن السوداني.
وقالت المشاركة هويدا أحمد، إنها غادرت أجواء الحرب بالخرطوم في وقت مبكر منذ الأسبوع الأول لاندلاع الحرب ولديها ابنتها البالغة خمس سنوات تسألها باستمرار هل السودان (أصبح كويس؟)، وكلما سمعتهم في المنزل يتحدثون عن السودان فإنها تقوم برسم علم السودان.
أما المشارك محمد كرار فقال في مداخلته خلال الورشة إنه منذ أكثر من ثلاث سنوات غير موجود بالسودان وهو مقيم بإحدى الدول في أوربا، مشيراً إلى أن ملاحظاته بعد نشوب حرب السودان هو حدوث شرخ كبير في أوساط بعض معارفه من السودانيين بأوروبا، فكلما اجتمعوا للتفاكر عن أحداث الحرب تقع بينهم مناكفات ومشكلات حادة لدرجة أنها تؤدي إلى الضرب بين البعض، وقال إن هذا واحد من الآثار السالبة للحرب في أوساط المجتمع.
وأكدت المشاركة أماني والتي قالت إنها خرجت من الخرطوم قبل الحرب بأسبوعين، أن هذه الحرب أحدثت توترات نفسية عميقة لاحظتها في الناس من حولها، وأشارت إلى أن الجميع معها يحتاجون كل يوم لسماع أي أخبار مطمئنة عن السودان، وقالت إنها لاحظت شكاوى من بعض كبار السن عبروا فيها عن الملل من إطالة أمد الحرب في السودان، بجانب أن هناك أمهات يشتكين من حدوث تغيرات كثيرة لدى الأطفال في شكل توترات عصبية ورفض تناول الطعام أحياناً.
ومن جانبها أوضحت المشاركة إيمان أنها لاحظت أشياء إيجابية برغم سلبيات الحرب، تمثلت في تحسن علاقات بعض الناس ومنهم أزواج وزوجات أصبحوا مستقرين مع بعضهم، إضافة إلى تغيرات في عدد من الأسر والأقارب ببناء علاقات اجتماعية قوية، لكنها عادت وقالت إن لديها طفلاً عمره 7 سنوات، تغير سلوكه بعد الحرب وأصبح عصبياً جداً وتحدث له اضطرابات وتوترات بمجرد سماعه سيرة السودان.
وأوضح المشارك منذر النور أن الحرب لها تغيرات متنوعة بالنسبة للمجتمع عامة، وقال إن لديه أخوات صغيرات خرجن أثناء الحرب من أمدرمان وذهبن إلى بورتسودان وجلسن مع أقارب هناك ولكن لاحظن عدم ارتياح من الاستضافة ولمحوا لهن بالمغادرة من المنزل، وقال منذر إن هذه الحرب أفرزت مشكلات عديدة وعدم انسجام ومودة بين بعض الأقارب والأسر، لكنه عاد وقال إن من الإيجابيات البعض رحب واستضاف نازحين من أمدرمان والخرطوم من غير الأهل والأقارب.
وروت إحدى المشاركات في الورشة وهي أم لثلاثة أطفال بأنها تحركت مع أطفالها أثناء الحرب من أمدرمان، ووصلوا إلى مروي وسكنوا في غرفة مسقوفة بالزنك وفي يوم نزلت أمطار مصحوبة بحبات البرد فأحدثت أصواتاً جعلت أطفالها كلهم يفزعون ويدخلون تحت الأسِرّة.
طرق للعلاج والمساعدة النفسية للأطفال المتأثرين بالحروب والصراعات
قال الدكتور سامي عوض يس استشاري علم النفس الإكلينكي وعلاج الصدمات النفسية، إن الحرب التي تدور في البلاد لها أعراض كثيرة ومنها الخلافات الحادة التي أحدثتها في مجموعات التواصل بالحظر أحياناً، ودعا الأسر لمحاولة التأقلم والتكيف في أماكن نزوحهم ولجوئهم والتعايش مع المجتمعات المضيفة، لأن لا أحد يمكنه التكهن بموعد انتهاء الحرب وإمكانية عودة الناس إلى مناطقهم. وقال يس: يمكن ألا يرجع الناس قريباً إلى مناطقهم ومنازلهم، خاصة وأن الدمار والانهيار للمساكن وللبنيات الأساسية شامل وكبير ما يحتاج لوقت من أجل إعادة البناء والإعمار.
وأكد الدكتور سامي أنه يمكن التدخل ومعالجة اضطرابات الصدمات والقلق والاكتئاب عند الأطفال حتى بعد مرورسنوات من تعرضهم لظروف الحرب والأحداث الصادمة، وقال إن كل فرد يستجيب لذات الصدمة النفسية بشكل مختلف وأوصى بأنه يجب على الوالدين إنشاء بيئة داعمة وصديقة للأطفال تشعرهم بالأمان وتلقي الدعم النفسي الاجتماعي، كما يجب استخدام لغة مناسبة لأعمارهم ومراقبة ردود أفعالهم، والتكلم إليهم بهدوء، ونشر السكينة والطمأنينة وليس الوصمة والخوف، كما يجب التعرف على تأثيرات الصراع والحرب على سلوكياتهم ونشر مفهوم تقديم المساعدة وفعل الخير مهما كان الطفل صغيراً، كذلك يجب إنهاء جلسة النقاش مع الأطفال بشكل مريح، بجانب تقديم الدعم والمساندة لهم عندما يشعرون بالقلق والخوف، ويجب تقليل تدفق الأخبار عن الحرب ومآسيها، مشيراً إلى أن أهداف العلاج والتدخل للأطفال في حالات الصدمات النفسية تكون باستعادة الإحساس بالأمان والبعد عن مكان الخطر، واستعادة روتين الحياة الطبيعية وتعليم ضبط وتنظيم المشاعر والسلوك بالأمان والسلامة من خلال التنفس المنتظم وتمارين الاسترخاء العضلي والسيطرة على الغضب والانفعال وغيره.