SBC: واشنطن
– جثة الطفلة رواء مشّي، البالغة من العمر عامين ونصف، كانت مسجّاة على طاولة في مستشفى ناصر بقطاع غزة، ذراعاها وقفصها الصدري هزيلان إلى حد العظم، وعيناها غائرتان في الجمجمة.
يقول الأطباء إن رواء لم تكن تعاني أي أمراض سابقة، لكنها ذبلت تدريجيًا على مدى أشهر، بينما كانت أسرتها تكافح لإيجاد الطعام والعلاج.
قدّمت العائلة لوكالة “أسوشييتد برس” صورة لجثمان رواء في المستشفى، وأكّد الطبيب الذي استقبلها صحة ذلك. بعد أيام من وفاتها، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوسائل الإعلام المحلية: “لا يوجد جوع. لم يكن هناك جوع. كان هناك نقص، وبالتأكيد لا توجد سياسة للتجويع”. وفي مواجهة الانتقادات الدولية، وصف نتنياهو تقارير المجاعة بأنها “أكاذيب” تروّجها حركة حماس.
لكن المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، حذّر هذا الأسبوع من أن الجوع وسوء التغذية في غزة وصلا إلى أعلى مستوياتهما منذ بدء الحرب. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 12 ألف طفل دون سن الخامسة تم تشخيصهم بسوء تغذية حاد في يوليو، بينهم أكثر من 2,500 طفل بحالة حرجة، وهو المستوى الأكثر خطورة. وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن الأرقام قد تكون أقل من الواقع الفعلي.
خلال الأسبوعين الماضيين، سمحت إسرائيل بدخول ما يقارب ثلاثة أضعاف كمية الطعام التي كانت تدخل منذ أواخر مايو، وذلك بعد نحو شهرين ونصف من الحظر الكامل على الغذاء والدواء والمواد الأخرى، بهدف الضغط على حماس للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين. ورغم أن تدفق المساعدات الأخير حسّن توفر الغذاء وخفّض الأسعار في بعض الأسواق، إلا أن الأسعار ما تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وتظل غير ميسورة للكثيرين.
ويرى أليكس دو وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي في جامعة تافتس، أن تحسن الوصول للغذاء قد يساعد جزءًا كبيرًا من السكان، لكنه “لن ينقذ الأطفال الذين وصلوا إلى مرحلة سوء التغذية الحاد”، حيث يؤدي نقص المغذيات الدقيقة إلى تدهور وظائف الجسم، وإطعامهم مباشرة قد يسبب مضاعفات خطيرة مثل “متلازمة إعادة التغذية”، التي قد تؤدي إلى التشنجات أو الغيبوبة أو الوفاة، ما يستلزم أولًا تعويض المغذيات عبر مكملات وحليب علاجي داخل المستشفى.
وأضاف دو وال: “نحن نتحدث عن آلاف الأطفال الذين يجب أن يكونوا في المستشفيات إذا أرادوا فرصة للبقاء”، مؤكدًا أنه لو تمت زيادة الإمدادات الغذائية قبل شهرين، لكان بالإمكان تجنب وصول الكثير من الأطفال إلى هذه الحالة.
ومع ذلك، يهدد التحسن المؤقت خطة إسرائيلية لشن هجوم جديد على مدينة غزة ومخيمات الخيام التي تؤوي معظم سكان القطاع، وهو ما قد يتسبب بموجة نزوح جديدة وتعطيل وصول الغذاء، وفقًا لتحذيرات الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن 42 طفلًا لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية منذ الأول من يوليو، إضافة إلى 129 بالغًا، بينما بلغ عدد الأطفال الذين توفوا بسبب سوء التغذية منذ بداية الحرب 106 أطفال. ورغم تبعية الوزارة للحكومة التي تديرها حماس، فإن الأمم المتحدة وخبراء دوليين يعتبرون بياناتها الأكثر موثوقية.
من جهتها، قالت إسرائيل إن بعض الأطفال الذين توفوا كانوا يعانون أمراضًا سابقة، معتبرة أن وفاتهم “غير مرتبطة بحالتهم الغذائية”، وأن مراجعة خبرائها خلصت إلى أنه “لا توجد مؤشرات على ظاهرة سوء تغذية واسعة النطاق” في غزة.
وفي مؤتمر صحفي، ظهر نتنياهو أمام شاشة كتب عليها “أطفال يتضورون جوعًا بشكل مزيف” فوق صور لأطفال هزيلين لديهم أمراض سابقة، واتهم حماس بتجويع الأسرى الإسرائيليين، مدعيًا أنها تستولي على كميات كبيرة من المساعدات، وهو ما تنفيه الأمم المتحدة.
الأطباء في غزة يعترفون بأن بعض المتوفين أو الذين يعانون الجوع لديهم أمراض مزمنة مثل الشلل الدماغي أو الكساح أو اضطرابات وراثية، وهي أمراض تجعل الأطفال أكثر عرضة لسوء التغذية، لكنها يمكن السيطرة عليها إذا توفر الغذاء والعلاج المناسب. ويقول الدكتور ياسر أبو غالي، رئيس قسم الأطفال في مستشفى ناصر: “النقص الحاد في الغذاء أدى إلى تدهور سريع لهذه الحالات، وكان سوء التغذية العامل الرئيسي في وفاتهم”.
من بين 13 طفلًا شديدي الهزال رصدتهم وكالة “أسوشييتد برس” منذ أواخر يوليو، خمسة لم تكن لديهم أمراض سابقة — بينهم ثلاثة توفوا بالفعل، بحسب الأطباء. ومنهم الطفل جمال النجار، البالغ 5 سنوات، والذي توفي الثلاثاء بسبب سوء التغذية، وكان يعاني من الكساح. انخفض وزنه خلال الأشهر الأخيرة من 16 كغ إلى 7 كغ، فيما أظهر والده فادي النجار علامات الجوع على وجهه. وأمام تصريحات نتنياهو بعدم وجود جوع، أشار الأب إلى أضلاع جمال البارزة قائلًا: “بالطبع هناك مجاعة، هل من الطبيعي أن يبدو صدر طفل في الخامسة هكذا؟”
ويقول الدكتور أحمد الفرا، المدير العام لقسم الأطفال في مستشفى ناصر، إن المستشفى يستقبل يوميًا ما بين 10 إلى 20 طفلًا يعانون سوء تغذية حاد، والأعداد في ازدياد. ومنهم الطفلة شم قديح، البالغة سنتين، والتي تبكي من الألم على سريرها، جسدها نحيل للغاية وبطنها منتفخ، ووزنها 4 كغ فقط — أي ثلث الوزن الطبيعي لعمرها.
ويشتبه الأطباء في إصابتها بمرض وراثي نادر يسمى مرض تخزين الغلايكوجين، الذي يؤثر على كيفية استخدام الجسم للسكر وتخزينه، ويؤثر على نمو العضلات والعظام. المرض يمكن التحكم فيه عبر نظام غذائي غني بالكربوهيدرات، لكن لا توجد إمكانيات للفحص أو العلاج في غزة.
تقدمت عائلتها بطلب إجلاء طبي قبل عام، ضمن قائمة تضم آلاف الحالات التي تقول منظمة الصحة العالمية إنها تحتاج علاجًا عاجلًا خارج القطاع. وبعد أشهر من التجميد شبه الكامل للإجلاء، سمحت إسرائيل هذا الشهر بمغادرة أكثر من 60 حالة في الأسبوع الأول من أغسطس. وحصلت شم أخيرًا على إذن بالمغادرة هذا الأسبوع، وهي في طريقها إلى مستشفى في إيطاليا.
أما رواء، فكانت واحدة من أربعة أطفال توفوا بسوء التغذية خلال أسبوعين، بحسب الأطباء. تقول والدتها فاطمة مشّي إنها لاحظت بداية فقدانها الوزن العام الماضي، وظنت أنه بسبب التسنين، لكنها في أكتوبر كانت تعاني سوء تغذية حاد. في تلك الفترة، كانت إسرائيل قد خفّضت إدخال المساعدات إلى أدنى مستوياتها منذ بداية الحرب، كما تعرضت العائلة للنزوح عدة مرات بسبب العمليات العسكرية، ما أدى إلى انقطاع العلاج لفترات طويلة.
وتروي الأم أن العائلة كانت تقتات على وجبة واحدة يوميًا، غالبًا ما تكون معكرونة مسلوقة، لكن “مهما أكلت لم يتغير شيء في حالتها”. قبل أسبوعين، انتقلت العائلة إلى مخيمات المواصي على ساحل غزة الجنوبي، وهناك تسارعت حالة رواء نحو التدهور حتى وفاتها.
تقول الأم: “كنت أعرف أنها مسألة يومين أو ثلاثة فقط”. واليوم، تبدو الأم والأب نحيلين، وخمسة من أطفالهم الباقين أحياء لكنهم هزيلون، وإن لم يصلوا إلى درجة سوء حال رواء.
ويختتم دو وال بالقول: في المجاعات، من الشائع أن يكون أحد الأطفال في العائلة أكثر عرضة للخطر — وغالبًا ما يكون في عمر 18 شهرًا إلى عامين — حيث يمكن لأي عدوى أو مشكلة بسيطة بعد الفطام أن تدفعه نحو دائرة سوء التغذية القاتلة.
“أمر صغير جدًا قد يدفعهم إلى الهاوية”.


