معسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد: تراجيديا المرض والخوف والجوع

يشارك

اقرأ أيضا

تشاد: واشنطن: SBC: فاطمة غزالي

تزداد الأوضاع الإنسانية في معسكرات اللاجئين السودانيين في دولة تشاد سوءاً يوماً بعد يوم، وكأن لسان حال الذين فروا من جحيم الحرب يقول “كالمستجير من الرمضاء بالنار”، فالمعاناة في المعسكرات تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال والخوف باسط ذراعيه بين منظومة محور الشر المتمثلة في نقص الغذاء والمياه، الأمراض، التحدي الأمني، وانتشار الأوساخ وغياب أدوات النظافة، والرعب من انتشار مرض الحمى الصفراء وظاهرة اصفرار العيون لدى بعض اللاجئين، ووفاة المصابين بالأمراض المزمنة ( السكري، ضغط الدعم والغدة الدرقية ) بسبب عدم الحصول على الدواء وكل هذه التراجيديا تلازم اللاجئين وتؤرق مضاجعهم.

تواصلت SBC مع عدد من اللاجئات واللاجئين عبر للوقوف على الأوضاع الإنسانية التي يعيشون فيها داخل المعسكرات. (ف) من معسكر (مجي) قالت إنهم كلاجئين يعيشون أوضاعاً سيئة وتزداد سوءاً بظهور حالات الحمى الصفراء فبعض اللاجئين تغير لون البياض في عيونهم إلى الأصفر، وعزت (ف) اصفرار العيون إلى الحر الشديد داخل خيام اللاجئين المصنوعة من البلاستيك، مشيرة إلى أنهم يعانون من تراكم الأوساخ وعدم وجود معينات النظافة كالمياه والصابون، وقالت إن الاستحمام أصبح نوعاً من الرفاهية والترف بسبب عدم توفر المياه التي يقوم اللاجئين بشرائها للشرب، حيث قالت إن تكلفة ال 4 جوالين من المياه 50 ريال تشادي، وقالت بإمكان منظمات الأمم المتحدة تعليمنا صناعة الصابون وأن توفر لنا المياه حفاظاً على صحتنا، وأضافت ويمكن أن تكون صناعة الصابون مصدر دخل يعين الأسر على شراء الطعام. وأضافت إن منظمات الأمم المتحدة والدولية العاملة في المجال الإنساني لا توفر لهم حصة من المياه، وعزت ظهور بعض الأمراض الجلدية إلى عدم النظافة الشخصية لعدم توفر أدواتها.

تقول الدكتورة إحسان فقيري اخصائي علم الأمراض والدم وعضو نقابة الأطباء السودانيين لSBC إن تغير لون العين من البياض إلى اللون الأصفر هو من أعراض مرض اليرقان وإلتهاب الكبد الوبائي، محذرة في ذات الوقت من خطورة تجاهل هذه الأعراض وسط اللاجئين، وقالت إن معسكرات اللجوء كثيراً ما تكون بيئة مناسبة لانتشار التهاب الكبد الوبائي بسبب الأوساخ والفضلات الآدمية، وأضافت في هذه الحالة سينتشر المرض بسرعة البرق، موضحة أن معسكرات اللجوء والنزوح تتعرض لانتشار الأمراض كالكبد الوبائي والكوليرا وأكدت ضرورة أن تكون هناك استجابة عاجلة من منظمة الصحة العالمية وكل المنظمات الدولية العاملة في مجال الصحة ومحاربة الأمراض لحماية اللاجئين من الموت وقالت إنها مسؤولية أخلاقية وإنسانية لابد للأمم المتحدة أن تتحملها.

اللاجئ( أ) المريض بضغط  الدم قال إنه منذ فترة طويلة لم يتناول العلاج وأن حالته الصحية سيئة بسبب المرض وعدم توفر الغذاء الذي يساعد على المقاومة مشيراً إلى تواجد منظمة أطباء بلا حدود الاسبانية وقال لا فائدة منها وأضاف قائلاً إن حاجز اللغة بين اللاجئين والعاملين في المراكز الصحية يشكل مشكلة كبيرة مشيراً إلى  أهمية الوحدة الطبية (من أجلك) التي تستقبل يومياً حوالي 100 مريض من المعسكر الذي يضم 70 ألف لأجئ لأنهم يستطيعون التعبير عن أوجاعهم.

تواصلت ( SBC) مع دكتور عبد الإله دود وهو من القيادات الفاعلة في مبادرة (من أجلك) لمعرفة ماهية المساعدات الإنسانية التي تقدمها المبادرة للاجئين بمعسكرات اللاجئين في تشاد، وقال دود إنها مبادرة إنسانية أطلقها أبناء مدينة الجنينة حاضرة غرب دارفور التي تعرّض إنسانها لكارثة إنسانية سيئة بسبب الحرب الأخيرة التي أدت إلى لجوء الأغلبية من سكانها إلى دولة تشاد موضحاً أن مبادرة (من أجلك) تعني أنها من أجل خدمة اللاجيء. وقال دود إن مبادرتهم استطاعت بمساعدة المنظمات الأمريكية ( سيلبر فاونديشن، إنترناشونال كول وسودان صن رايز) استطاعت إنشاء وحدة طبية تضم الصيدلية التي تقدم العلاج مجاناً، والمعمل للفحص وغرفة للكشف الطبي مبيناً أنها أكبر من الشفخانة التابعة لمنظمة أطباء بلاجدود الفرنسية والسويدية، وقال إن منظمة ( سيلبر فاونديشن، إنترناشونال كول  وسودان صن رايز) ساعدت مبادرة (من أجلك) لتوفير الأدوية وتقديم الدعم المادي الذي ساعد في  فتح مركز لإطعام الأطفال، وتوفير وجبات متنوعة وتقديمها في وقت الفطور ل 600 طفل يومياً وهي عبارة عن ( مديدة الدخن، أرز باللبن واللوبيا) مشيراً إلى أن منظمة (سودان صن رايز) قدمت العديد المساعدات ونفذت برنامج خدمات اللاجئين، وأوضح أنهم خاطبوا عدداً من المنظمات الأمريكية لحل مشكلة المياه في المعسكرات بحفر آبار بتكلفة 10 ألف دولار لحفر البئر الواحدة، وقال إن مشكلة المياه في معسكرات اللجوء مشكلة حقيقة. يذكر أن عبدالإله دود سبق وأن زار معسكرات اللجوء قبل شهرين في تشاد عبر منظمة (سودان صن رايز) الأمريكية. وأكد دود أن مبادرة (من أجلك) تركز الآن على حل مشكلة الأدوية  لمرضى الأمراض المزمنة، وقال إن المبادرة أعدت قائمة للأدوية والكمية المطلوب توفيرها مبيناً أن هناك جهات وعدت بالمساعدة في توفيرها، وأوضح أنهم خاطبوا المنظمات الأممية بشأن الأوضاع في معسكرات اللجوء إلا أنهم لم يجدوا الاستجابة معلقاً ” لا حياة لمن تنادي”.

الأوضاع الأمنية بالنسبة للاجئين تشكل تهديداً حقيقياً على حياتهم، ويقول اللاجئ (م) إن الأقاويل تتضارب حول الهجمات التي يتعرضون لها من قبل المليشيات وأضاف هي مليشيات مجهولة الهوية بالنسبة لنا، لأننا نسمع إنها مليشيات عربية جاءت إلى تشاد، والبعض يقول إنها تتبع للدعم السريع، وآخرون قالوا لا علاقة لها بالدعم السريع لأنها هجمت على معسكرات بعيدة ليست في مناطق حدودية بين السودان وتشاد، وأشار إلى إنها بدأت الهجمات باطلاق النار على معسكر (مجي) الذي يبعد بضع كليومترات عن الحدود السودانية، ثم انتقلت إلى معسكري (أبو تنقي وألاشا) مشيراً إلى أنهم طالبوا بتشكيل لجان حماية من المفوضية إلا أنها لم تستجب لهم. وأضاف (م) إن هذه الهجمات منعت اللاجئين من الذهاب إلى المعسكرات الكبيرة لأنها بعيدة عن المدن وهم الآن في حالة اكتظاظ في معسكر أدري لأنه يشعرهم بالقليل من الإطمئنان.

تنقسم معسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد إلى معسكرات مؤقتة وهي التي يتجمع فيها اللاجئين عند دخولهم إلى تشاد وإحصاء عددهم ومن ثم توزيعهم في المعسكرات   الثابتة وهي معسكر( مجي، أب تنقي، ألاشا، زابوط ). ويضم معسكر (تنقوري) ومعسكر هجين مزيجاَ من النازحين التشاديين الذين فروا من مناطقهم بسبب النزاعات التشادية المسلحة واللاجئين السودانيين. يذكر أن هناك معسكرات للاجئين السودانيين منذ حرب دارفور في العام 2003 شرق تشاد وهم يعيشون أوضاعاً سيئة أيضاً بسبب ضيق فرص العمل وشح المساعدات الإنسانية.

ما زالت أزمة الغذاء تشكل حلقة من حلقات الأزمة الإنسانية في المعسكرات وقالت  اللاجئة (ت) إن الغذاء الذي تقدمه منظمة برنامج الغذاء العالمي غير كافٍ وأن حصتهم الشهرية من الغذاء هي (5 ) مقادير من الذرة بما يعادل(5 ) مد، ومقدار من العدسية أو اللوبيا، وأربعة أرطال من الزيت وملح، مشيرة إلى غياب الغذاء الكافي دفع النساء إلى العمل في المنازل وقالت هذا يجعلهن عرضة للاستغلال الجنسي من بعض ضعاف النفوس في المجتمع المضيف وأضافت أن هناك عدد كبير من الأرامل لا يجدن الدعم المادي في ظل غياب مصادر الدخل والدعم النفسي الذي يعينهن على تربية أطفالهن منتقدة غياب الرعاية الصحية للفتيات والنساء والحوامل بصفة خاصة من قبل المنظمات. ووصفت(ت) خدمات المراكز الصحية للمنظمات بالضعيفة  وقالت إن العطالة وغياب الخدمات الأساسية  في معسكرات اللجوء يدفع الشباب للتجنيد في صفوف الدعم السريع للحصول على المال مشيرة إلى أن تجنيد الشباب يشكل وقوداً للحرب ويطيل عمرها.

وانتقدت (ز) عدم الاهتمام بالأطفال وقالت إنهم تحولوا إلى متسولين في الأسواق التشادية ويمارسون ثقافة الحرب في سلوكهم اليومي وألعابهم بسبب غياب العلاج النفسي والتعليم والبيئة الصديقة للطفل مشيرة إلى وجود 500 طفل من ذوي الإعاقة الذين فقدوا بعض أطرافهم بسبب الحرب وليس هناك أية جهة توليهم الرعاية والمعاملة الخاصة بتقديم الدعم المعنوي والنفسي ووسائل الحركة. يذكر أن عدد من المنظمات تعمل بمعسكرات اللجوء في تشاد وهي ( برنامج الغذاء العالمي، أكشن بلان، أوكسفام، أطباء بلا حدود الفرنسية والسويدية والاسبانية)، إلا أن (ز) قالت إن هذه المنظمات لا تقدم المطلوب على الأرض مشيرة إلى الجانب الإيجابي فيما يتعلق بتوظيف المنظمات لبعض اللاجئين حيث قالت إن فرص التوظيف في المنظمات تأخذ شكل المناصفة بين اللاجئين السودانيين والمجتمع المضيف (التشاديين) بنسبة 50% من الوظائف لكل منهما، ذلك باستثناء مجال التعليم الذي تكون فيه الوظائف للسودانيين حصراً، إلا أنها ذكرت أن العدد الأكبر من الموظفين الآن في كل المجالات الأخرى من التشاديين، مشيرة إلى توظيف 48 معلمة ومعلم سوداني لفتح فصلين في معسكر يضم 50 ألف لأجئ.