حرب “كرامة” أم “فلول”: ما هو السبب الحقيقي لحرب 15 أبريل؟

يشارك

اقرأ أيضا

خاص- فريق تحقيقات SBC:
في الوقت الذي تقترب فيه الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع من إكمال عامها الأول؛ لا يزال السؤال عن سبب اندلاعها معلقا.
ومع فشل مبادرات الحل والتفاوض كافة، واستمرار المعارك من دون بادرة تشير إلى توقفها، تزداد الروايات تجاذبا بشأن من يزيد وقود اشتعالها ويرغب في استمرارها.
وعلى الرغم من تاريخ البلاد الطويل مع الحروب التي بدأت قبيل الاستقلال إلا أن حرب 15 من أبريل هي الأولى التي انطلقت شرارتها في العاصمة الخرطوم، وشلت الدولة الرسمية، وضربت الرقم القياسي في أعداد المشردين، وخلقت أزمة إنسانية تعد هي الأسوأ على مستوى العالم بحسب التقارير الأممية.

يتبادل طرفا الحرب الاتهامات في جميع خطاباتهما الجماهيرية وبياناتهما الرسمية، ففي الوقت الذي تقول قيادات الجيش إن تمرد الدعم السريع هو السبب الرئيس حول اشتعال الحرب تشير الأخيرة إلى أنها تقاتل الدولة العميقة التي تتحكم في الجيش وتستخدمه “حصان طروادة” للعودة للحكم.
في بداية أيام الحرب وصف القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان الحرب بـالعبثية، قبل أن يتبنى مصطلح “حرب الكرامة” الذي سمعه الشعب السوداني أول مرة في تسجيل للقيادي بالحزب المحلول أحمد هارون بعد خروجه من سجن كوبر.
من جهته يتبنى الدعم السريع فكرة “المخلص” للبلاد من فلول نظام الانقاذ، الذي كان يده القذرة التي استخدمها في مواجهة أعدائه، ومن ظلامات وتهميش دولة 1956.
وقال المفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم لـ SBC إن الدعم السريع بصورة ما يتمثل دور المخلص من الظلامات التاريخية والتهميش لبعض سكان دارفور ممن عاشوا في المعسكرات.
وأضاف: “لا أتصور أن إنسانا في دارفور، يقطن منذ سنة 2003 في معسكر كلمة أو غيره، لا يفكر أن الدعم السريع يأخذه خطوة أو خطوتين نحو تفكيك مظلوميته أو التعبير عنها بشكل أو بآخر”.

وكان الاتفاق الإطاري الساعي بحسب القوى الموقعة عليه، لإنهاء الانقلاب العسكري والعودة للانتقال الديمقراطي هو آخر الأحداث السياسية قبيل اندلاع الحرب؛ ونال الدعم السريع النصيب الأكبر من الاتهامات بمسؤوليته عنها.
ويوجه المفكر والكاتب عبد الله علي إبراهيم أصابع الاتهام أيضا إلى الاتفاق الإطاري ويقول إن أخطر ما ورد فيه هو عبارة “دمج الدعم السريع في الجيش” مبينا أنه لا يستقيم أن يكون جزءا من الدولة، واستدل في حديثه بشعارات ثورة ديسمبر التي كانت تنادي بحله “العسكر للثكنات، والجنجويد ينحل”.
وقطع إبراهيم بأن الثورة هي التي جعلت الحديث عن التعامل مع قوات الدعم السريع ممكنا، لأنه خلال عهد الإنقاذ كان يمثل “الكرباج” الذي استخدمته من أجل معاقبة الخصوم، متهما الجيش بالاشتراك مع الدعم السريع في هدف القضاء على الثورة.
وشكك إبراهيم في جدية قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو دمج قواته في الجيش، مشيرا إلى أنه كان يماطل وطالب ابتداء بالدمج خلال 20 عاما. وشبه إبراهيم الدعم السريع بقوات فاغنر، ووصفها بأنها”شركة عسكرية لديها إمبراطورية اقتصادية أسستها عبر استغلال النفوذ والنهب”.
واتهم إبراهيم الحرية والتغيير بعدم الانتباه أن حميدتي كان يسعى لاستبدالهم عبر تأسيس قاعدة اجتماعية بين الطرق الصوفية والإدارات الأهلية، مشددا على أن حميدتي وطد النية على عدم مغادرة المسرح السياسي بعد سيطرته عليه.

من جهة ثانية، دافع القيادي بالمؤتمر السوداني مهدي رابح عن الاتفاق الإطاري، واصفا إياه بالوسيلة المثلى لمنع اشتعال الحرب التي وصفها بالمؤجلة. ووصف رابح من يصدقون أن الإطاري هو سبب الحرب بأنهم “ضحايا الجهل السياسي والتضليل الإعلامي”.
وكشف رابح لـ SBC أن التاريخ الفعلي لاندلاع الحرب هو يونيو عام 2021 حسب قوله، حين اندلعت خلافات كبيرة بين قائدي الجيش والدعم السريع، وتدخل المدنيون ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك لرأب الصدع بينهما.
وقال مصدر في حكومة حمدوك الأولى لـ SBC إن السبب في ذلك الخلاف تمثل في قائمة وضعها حميدتي أمام الوساطة المدنية تضم 800 ضابطا في الجيش قال إنهم يتبعون للأخوان المسلمين مطالبا البرهان بإقالتهم.
وأكد المصدر الذي طلب حجب اسمه أن قائد الجيش وعد في ذلك الوقت بأنه سيفعل. وهكذا تم احتواء الخلاف بين الطرفين بصورة مؤقتة حسب مصدرنا.
ويرى رابح أن الانقلاب العسكري الذي اشترك فيه البرهان وحميدتي هو السبب الرئيس خلف اشتعال الحرب نسبة لأنهما أبعدا المدنيين وبالتالي انتفى الحوار السلمي وبات السلاح في مواجهة السلاح.

وحمل القيادي في حزب المؤتمر السوداني مهدي رابح “الإسلامويين” وزر إشعال الحرب مشددا على أنهم يشتركون مع الجيش والدعم السريع في تحمل جرائم الحرب ومآسيها.
ويوافقه في ذلك المفكر والأكاديمي السوداني النور حمد الذي قال إن “الإسلامويين” هم من أطلقوا الرصاصة الأولى في 15 أبريل في المدينة الرياضية. وأشار حمد إلى أن السبب يعود لوقوف دولتهم الموازية ضد الثورة التي كانت ستدمجها داخل الدولة الأم.
وقارن حمد بين دولتين، الأولى دولة الشعب الفقيرة الموروثة من الاستقلال حد تعبيره، والثانية دولة الحركة الإسلامية الغنية بمؤسساتها الحامية بما فيها الدعم السريع.
وقال حمد لـ SBC إن الجيش والدعم السريع كانا يمولان أنشطتهما من مصدرين: الأول الموازنة الرسمية للدولة، والثاني مصادرهما الخاصة التي تأسست بالاستيلاء على مناجم الذهب والعمل في تصدير الماشية والصمغ العربي وغيره.
وأضاف حمد: “عبر إدارتهما للمنظومة الأمنية يتحكمان في المنافذ- الموانئ والمطارات- والتهريب تحت سمع وبصر الدولة فإن 70% من عائدات الذهب هُرِبت وفق تقارير عالمية. وخلال 30 عاما لا أحد يعلم أين ذهبت عائدات النفط.”
وقطع حمد بأن الحرب الحالية افتعلتها طبقة منتفعة شعرت بالتهديد من الثورة التي سعت لتفكيكها، مضيفا: “لذلك أكثر لجنة حوربت هي لجنة إزالة التمكين” خوفا على الأموال والامتيازات. ذلك إضافة لحماية تلك الطبقة لمتهمين ضمن قادتها بارتكاب جرائم حرب.

“لا يمكن النظر إلى الحرب الحالية كصاعقة نزلت من السماء.”؛ هذا ما قاله مجاك داقوت نائب وزير دفاع جنوب السودان السابق، مشددا على وجود ترسبات تاريخية ومعيدا جوهر السبب إلى تدخل العسكر في السلطة.
وأضاف: “العلاقة بين النخب العسكرية والنخب المدنية غير مستقرة”.
وشرح داقوت أن الصراع بين هذه النخب اتخذ أشكالا عدة، وتطور منذ أول انقلاب عسكري حتى اتفاق العسكريين والحرية والتغيير. وأوضح أن انفصال الجنوب كشف التناقضات داخل الشمال النيلي وعلاقتهم مع من يوصفون حاليا بـ “عرب الشتات” على حد تعبيره.
وقال داقوت لـ SBC إن الإفلات من العقاب في الحروب السابقة هو أحد أسباب عودة الصراعات المسلحة، مشيرا إلى أن اتفاق السلام في 1972 واتفاقية نيفاشا لم يعالجا جرائم الاستعباد والمجازر التي حدثت ولم تتم فيها أي محاسبات.
وأضاف “لذلك يعتقد الناس أن بإمكانهم فعل أي شيء من غير محاسبة”.
وهاجم داقوت الجيش السوداني ووصفه بأنه “فاقد للمهنية” على حد تعبيره، مضيفا أن السلطة تركزت لدى صفوة الضباط، وبات الجيش يعتمد على المليشيات بصورة كاملة منذ الدفاع الشعبي وحتى الدعم السريع، التي وصفها بـ “العصابات المضادة”.
وقال نائب وزير دفاع جنوب السودان إنه شارك بنفسه في معارك مثل صيف العبور، وكان شاهدا على اشتراك طلاب في الحروب كـ “مجاهدين”، لم تكن لهم علاقة مع الوحدات العسكرية بل كانوا “يتحدثون في السياسة ولا يفقهون العسكرية والشغل المهني”.
وأضاف داقوت: “عبر السنين تطورت المليشيات من مجرد مجموعات في حرس الحدود تنحصر مهامها في نقل المعلومات، حتى تكوين الدعم السريع الذي باتت قدراته أكبر من الجيش، وأخذ مسؤوليته في الحفاظ على الأمن والقضاء على التمرد وخلقت هياكل موازية بعيدا عن الدولة”.

ويرى المستشار العسكري السابق للقائد الأعلى للجيش الليبي العقيد عادل عبد الكافي أن حرب السودان تقع ضمن مخطط تقسيم منطقة شمال أفريقيا الذي تنفذه دول غربية عبر استخدام أدوات محلية.
وأضاف “استخدموا أطماع حميدتي في السلطة وتم دعمه بالسلاح والذخائر والاستشارات العسكرية”.
ويشير تقرير خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا إلى أن هناك مجموعات تعرف بـ “القوات المسلحة العربية الليبية” تتمركز في الجزء الجنوبي من البلاد، تنقل الأسلحة والذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر معبر “عين كازيط” الحدودي.
وأشار تقرير الخبراء إلى أن الجيش الليبي أغلق المعبر في 20 أبريل 2023 وسلم السيطرة عليه إلى قوات الدعم السريع.
وأكد عبد الكافي حصول قوات الدعم السريع على مسيرات وأسلحة ميدانية متطورة من دول غربية، مشيرا إلى التشابه بين ما يحدث الآن في السودان وحصول قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر على دعم بالمرتزقة والطيران المسير والأسلحة المتقدمة.
وأعرب عبد الكافي عن خوفه من تكرار مشهد تقسيم ليبيا مرة أخرى في السودان. وأشار إلى أن ليبيا بها حكومتان الآن، حكومة وحدة وطنية معترف بها دوليا، وحكومة موازية تابعة للبرلمان. وأضاف: “كان هناك حديث عن حكومة ثالثة في المنطقة الجنوبية لكنه لم يستمر”.
واتهم عبد الكافي روسيا بالتورط في ما حدث، مشيرا إلى انها تتبع أسلوب الحرب الهجينة عبر دعم مجموعات مسلحة أو متمردة داخل الدول من أجل الحصول على رقعة جغرافية معينة.
وأضاف”استغل الروس حميدتي كما استغلوا حفتر” كاشفا عن خروج إمدادات وقود وأسلحة من الأراضي الليبية إلى دارفور، إضافة إلى إسقاط جوي لوجستي لصالح الدعم السريع.
وقال عبد الكافي: “هناك مهبط ترابي في تشاد من المفترض أن يستخدم لأغراض إنسانية لكنه بدلا عن ذلك يستخدم لتمرير شحنات الأسلحة لجميع الأطراف”. واستدرك: “هناك أيضا من يدعم الجيش السوداني.

“المال هو الوقود الذي يبقي هذه الحرب مشتعلة” هذا ما قاله مهدي رابح القيادي في المؤتمر السوداني، مشيرا إلى أنه يقصد الذهب الذي تسيطر عليه القوات المتحاربة وتهربه مقابل الحصول على السلاح والذخيرة وحتى الدعم الدبلوماسي.
وأكد رابح لـ SBC أن هذه الحرب لن تتوقف ما لم تجفف منابع الحصول على السلاح، مطالبا بالضغط الدبلوماسي على الدول التي تدعم الطرفين.
وأعرب رابح عن خوفه من تحول القتال إلى حرب أهلية شاملة “حرب الكل ضد الكل”، مشيرا إلى عوامل مثل التدخل الأوكراني في الحرب وتعطل الأنبوب الناقل للنفط مما يمهد لحرب أهلية في جنوب السودان حسب وصفه.
وقال: “من المخيف أن تكون هناك حربان أهليتان تغذيان بعضهما البعض”.